معتز بالله عبد الفتاح
«هو إيه حكاية المدنية دى يا عمنا اللى ناس عايزين يحطوها فى الدستور وناس تانية مش عايزينها؟» سألنى صديقى محمد الميكانيكى. «إيه اللى دخلك فى السكة دى يا محمد؟ ما خلينا أصحاب أحسن» كان هذا ردى عليه، ولكنه من الواضح أنه لم يقتنع، فكرر السؤال. قلت له: «طيب إنت لما سمعت كلمة مدنية ما الذى فكرت فيه؟» سألته وأجابنى: «افتكرت خالة أمى الله يرحمها لأنها كان اسمها مدنية، يعنى أنا لى خالة اسمها مدنية. بس عمرى ما فهمت يعنى إيه، والمسائل بتتلخبط أكثر لما أسمع الناس اللى زيكم بيتكلموا فى الموضوع».
الحقيقة أنا كنت ناوى ألا أتكلم مع صديقى محمد الميكانيكى فى أى موضوعات سياسية علشان كل مرة بيطردنى من الورشة بتاعته. لكن صِعب علىّ. قلت له: «ركز معى لأن هذا المصطلح ممكن يفسر لك الكثير مما يحدث فى مصر هذه الأيام.. كلمة مدنى ممكن تعنى «غير سياسى» مثلما نقول مجتمع «مدنى» أى يهدف إلى خدمة المجتمع دون السعى إلى الوصول إلى السلطة مثل منظمة توعية تهدف إلى تحقيق الصالح العام دون أن تتبع حزباً أو الدولة. وهناك معنى ثانٍ وهو أن كلمة «مدنى» تعنى غير انقسامى على أساسى دينى أو طائفى أى الذى يحاول تحقيق أهداف إنسانية عامة بغض النظر عن الاختلافات الطائفية أو الدينية.
وهناك معنى ثالث وهو أن كلمة مدنى تعنى غير عسكرى، أى تجنيب المجتمع الوصاية العسكرية على شئونه.
يعنى من الآخر كده يا صديقى «مدنى» دى هى ترجمة لثلاث كلمات إنجليزى هى: CIVIL، CIVIC AND CIVILIAN.
«فهمت حاجة يا محمد؟» سألته، فقال لى: «كمِّل، كمل علشان لما أضربك تعرف إنك إنت اللى جبته لنفسك».
«ما هو كل واحد فى مصر بيأخذ الجزء اللى يحقق له مصلحته ويمسك فيه، وعلشان أفهمك أصل الخناقة الحالية، ركز معى شوية» قلت له. «فاكر لما المجلس العسكرى من زمان قال «مدنية الدولة» خط أحمر؟ هو فسر المدنية على أنها ضد الطائفية الدينية، وعلى هذا الأساس أعطى لنفسه الحق فى إحالة أى مادة تعارض المدنية (أو رؤيته لمصلحة البلاد بصفة عامة) إلى المحكمة الدستورية إذا ما حاول التيار الدينى أن يفرض منطقه على المجتمع ومؤسسات الدولة».
«والإخوان والسلفيون ومعهم قطاع من الثوار كانوا يرون أن «مدنية الدولة» خط أحمر أيضاً، لكنهم كانوا يفسرونها على أنها مدنية ضد تدخل العسكريين فى الحياة السياسية لأن الأصل أن يخضع العسكرى للمدنى وليس العكس. علشان كده كان انسحاب ممثلى الكنائس لأن ديباجة الدستور لا تحمل كلمة مدنية وربما كمان بسبب تفسير مبادئ الشريعة يعكس الأزمة الحادة التى تعيشها مصر».
إذن «خالتك مدنية يا محمد أصبحت خالتنا كلنا. وكل واحد بيخوض معركته باسم المدنية بطريقته. العسكريون ومعهم العلمانيون خائفون من التيار الدينى فبيدافعوا عن المدنية اللى ضد الإخوان والسلفيين، والإسلاميون والثوار خايفين من العسكر فبيدافعوا عن المدنية بمعنى المدنية ضد العسكرية».
«طيب والحل إيه؟» سألنى صديقى. «الحل هو أن تكون مدنية - مدنية بالمعنيين معاً، وألا يتطرف كل طرف فى تغليب وجهة نظره على وجهة نظر الطرف الآخر. لكن الحقيقة أن هناك مواد أخرى فى الدستور أهم فى تأثيرها من كلمة مدنية لكن هى كبرت فى دماغهم يمشّوا اللى فى دماغهم وإلا ينسحبوا. وإن شاء الله ما يحصلش انسحابات، لكن مصر تبحث عن بوصلة وخريطة طريق وأخشى أننا نزداد انقساما بتعديلات دستورية ستفضى إلى دستور مؤقت آخر».
«مصر عاملة زى جسم إنسان مربوط من اليدين والرجلين، وكل واحد بيشد فيها علشان تروح معاه، والخوف أن يتمزق البلد والكل يحسب أنه يحسن صنعاً». «ربنا يطمنك، يعنى المدنية دى طلعت مشكلة كبيرة». استنتج صديقى، وقبل ما يتخانق معى كالعادة، تركته وهو بيقول: «خالتى مدنية طلعت خالتنا كلنا!».
نقلاً عن "الوطن"