توقيت القاهرة المحلي 18:28:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التوريق.. ما هو؟ وهل يحل مشكلتنا الاقتصادية؟

  مصر اليوم -

التوريق ما هو وهل يحل مشكلتنا الاقتصادية

بقلم - زياد بهاء الدين

كثر الحديث فى الشهور الماضية عن «التوريق»، باعتباره الوسيلة السحرية لحل مشاكلنا الاقتصادية الضاغطة، وخاصة الحاجة لسداد أقساط الديون الأجنبية وفوائدها التى صارت تثقل كاهلنا، وتعطل فرصتنا فى التنمية الاقتصادية، بل تهدد بدفعنا لمزيد من الاقتراض لمجرد مواكبة سداد ما علينا (ما أطلق عليه اقتصاديو اليسار منذ سبعينيات القرن الماضى «مصيدة الديون»).
وفى هذا السياق، ظهرت فكرة «التوريق» لتكون حلًا مبتكرًا - أو كما يقولون «خارج الصندوق» - لتدبير العملة الأجنبية التى نحتاجها لسداد التزاماتنا الحالة. فدعونا إذن نستطلع مفهوم «التوريق»، ثم نفكر معًا فيما إذا كان حلا مناسبا.

«التوريق» هو الآلية القانونية التى يستخدمها من تكون لديه موارد مالية متدفقة فى المستقبل، فيقوم بالتنازل عن هذه المستحقات الآجلة مقابل الحصول على مقابلها فورا. ولنأخذ مثالا فرديا بسيطا: إذا كان لدىَّ شقة مفروشة أقوم بإيجارها مقابل خمسة آلاف جنيه شهريا، فإن هذا معناه أننى خلال عام كامل سوف أحصل على ستين ألف جنيه من إيجار الشقة.. ولكن نظرا لأننى أحتاج إلى خمسين ألف جنيه لغرض عاجل، فإننى أتوجه إلى صديق وأطلب منه إعطائى هذا المبلغ حالا مقابل تنازلى له عن الأجرة الشهرية للعام القادم.

وذات الأمر تقوم به مثلا شركات التطوير العقارى التى تكون لها مستحقات آجلة من مشترى العقارات بالتقسيط، إذ يمكن للشركة أن تتنازل عن هذه المستحقات الآجلة إلى أحد البنوك وتأخذ مقابلها فورا القيمة الحالية لهذه الأقساط.

ولكن ما يجعل الموضوع أكثر تعقيدا هو أن البنك الذى يشترى هذه المستحقات الآجلة من شركات التطوير العقارى لا يريد بدوره أن يحتفظ بها لنفسه، فيقوم بإصدار سندات أو أوراق مالية (ومن هنا تعبير «التوريق») وطرحها فى البورصة لكى يكتتب فيها مئات وربما آلاف المستثمرين، فيسترد البنك أمواله. وفى النهاية، يصبح حَمَلَة السندات هم المستحقين للمبالغ الآجلة.

أما فى حالة الدول، فلو قلنا إن مصر مثلا تفكر فى «توريق» مستحقاتها من قناة السويس للسنوات الخمس القادمة، فإن هذا معناه أننا نتنازل عن العوائد التى يفترض أن تحققها القناة فى ظروف عادية (وليس فى توقيت تهديد الحوثيين للملاحة) مقابل حصولنا فورا على مبلغ كبير يمثل هذه العوائد الآجلة. وكما يمكن «توريق» عوائد قناة السويس، كذلك يمكن «توريق» أى مستحقات آجلة، مثل فواتير الكهرباء والغاز التى تحصلها الشركات الحكومية، بل يمكن «توريق» جزء من الحصيلة الضريبية التى تؤول للخزانة العامة؛ بمعنى أن يقترض البلد مليارات الجنيهات مقابل التنازل عن نصف أو ربع حصيلة الضريبة السنوية.

مسألة قد تبدو معقدة، ولكن خلاصتها أن فردًا أو شركةً أو دولةً تقوم بالتنازل عن مستحقات آجلة مقابل الحصول على قيمتها فورا.

■ ■ ■

إلى هنا ينتهى وصف آلية «التوريق».. فما رأيكم؟

رأيى شخصيًّا أن هذه الفكرة «الخارجة من الصندوق» قد تبدو للوهلة الأولى حلا سحريا يمكّننا من تدبير الموارد لسداد الديون الأجنبية المتزايدة.. ولكن الحقيقة أن لى ثلاثة تحفظات عليها:

التحفظ الأول: أن الوجه الآخر لهذا الحل العجيب هو أن صاحب المستحقات الآجلة سوف يصبح محروما من المورد الذى كان يعتمد عليه. فلو أننى كنت معتادا دفع فواتير مسكنى الذى أعيش فيه من الأجرة الشهرية التى تأتينى من إيجار عقار آخر، فإننى بعد التوريق سأكون محروما من هذا المورد لسنة قادمة.. وكذلك الدولة لو قامت بتوريق جزء من حصيلتها الضريبية للسنوات الخمس القادمة، فإن هذا يعنى أنها ستفقد جزءا من الحصيلة التى كانت تعتمد عليها فى مصروفاتها السنوية المعتادة.

والتحفظ الثانى هو: أن علينا التفكير - فى حالة التوريق الحكومى - فيما سنفعله بالأموال التى نجنيها من توريق مستحقات آجلة. فلو كانت ستتجه إلى مشروعات إنتاجية تأتى بعوائد أكبر مستقبلا لكان الموضوع مفيدا للاقتصاد القومى.

أما إذا استخدمت الحكومة مستحقاتنا الآجلة المضمونة لمجرد سداد ديون ما كان يصح أن تتراكم بهذا الشكل، أو لمزيد من الإنفاق غير المدروس وغير المفيد، فإن هذه كارثة لأنها تعنى ليس فقط المزيد من الإنفاق الضائع وإنما أيضا خسارة مستحقات المستقبل.

والتحفظ الثالث: يرتبط بتوريق عوائد قناة السويس بالذات.. وأرى أنه من الأفضل أن ترفع الحكومة يدها عنه تمامًا؛ لأن للقناة اعتبارات استراتيجية وتاريخية واقتصادية تحتاج للتروى، لا اعتبارها مجرد مصدر عملة أجنبية.

■ ■ ■

ولكن من جهة أخرى، فإننى بتحفظاتى على التوريق لم أسهم فى اقتراح حل لمشكلة الديون المتراكمة علينا.. فما العمل؟

ما رأيكم ألا ننظر كثيرا خارج الصندوق، بل نعود للحلول التقليدية التى لم نستنفدها بعد: زيادة الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير حفاظًا على مستحقات الأجيال القادمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التوريق ما هو وهل يحل مشكلتنا الاقتصادية التوريق ما هو وهل يحل مشكلتنا الاقتصادية



GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

GMT 23:09 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

هل يمكن خلق الدولة في لبنان؟

GMT 23:01 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

ستارمر والأمن القومي البريطاني

GMT 22:55 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حول الحرب وتغيير الخرائط

إلهام شاهين تتألق بإطلالة فرعونية مستوحاه من فستان الكاهنة "كاروماما"

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 04:49 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

القسام تعلن قصف مدينة سديروت جنوب إسرائيل برشقة صاروخية
  مصر اليوم - القسام تعلن قصف مدينة سديروت جنوب إسرائيل برشقة صاروخية

GMT 07:54 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

علاج جيني مبتكر يعيد السمع والرؤية لمرضى متلازمة آشر 1F
  مصر اليوم - علاج جيني مبتكر يعيد السمع والرؤية لمرضى متلازمة آشر 1F

GMT 11:41 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

روجينا تكشف عن تفاصيل مسلسلها الجديد رمضان 2025
  مصر اليوم - روجينا تكشف عن تفاصيل مسلسلها الجديد رمضان 2025

GMT 07:31 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

هارفي ألتر يفوز بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء لعام 2020

GMT 06:50 2017 الأربعاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة"لكزس "LC ترفع شعار التصميم الجريء والسرعة

GMT 01:30 2021 الأربعاء ,24 آذار/ مارس

مرسيدس AMG تستعد لإطلاق الوحش جي تي 73 e

GMT 01:01 2021 الأحد ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على نور عبد السلام صاحبة صوت "لؤلؤ" الحقيقي

GMT 14:07 2020 الخميس ,24 كانون الأول / ديسمبر

"التعليم" المصرية ترد على هاشتاج «إلغاء الدراسة»

GMT 05:00 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يرفض انتقال محمد عواد إلى صفوف سيراميكا

GMT 02:05 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

دعوة شحاتة وأبو ريدة والخطيب و لحضور حفل التكريم

GMT 08:17 2020 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كلوب يتهم رئيس رابطة الدوري الإنجليزي بالافتقار إلى القيادة

GMT 06:12 2020 السبت ,03 تشرين الأول / أكتوبر

عادات خاطئة تضر العين مع تقدم السن تعرّف عليها

GMT 20:29 2020 الخميس ,01 تشرين الأول / أكتوبر

البورصة المصرية تغلق التعاملات على ارتفاع

GMT 11:27 2020 الإثنين ,06 تموز / يوليو

اقتصاد المغرب سينكمش 13.8% في الربع الثاني
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon