توقيت القاهرة المحلي 05:32:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أربعون عاما من الاستبداد

  مصر اليوم -

أربعون عاما من الاستبداد

بقلم : د. هالة مصطفى

تزامن الاحتفال بذكرى مرور أربعين عاما على قيام الثورة الإيرانية مع انعقاد مؤتمر وارسو بدعوة أمريكية، والذى جعل من إيران هدفا عاجلا لمواجهة التحديات الأمنية فى الشرق الأوسط، باعتبار نظامها مسئولا رئيسيا فى نشر الفوضى ودعم الإرهاب فى المنطقة، هكذا وصل الحال بالجمهورية الإسلامية التى أرسى دعائمها آية الله الخومينى منذ أربعة عقود، وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياسة الولايات المتحدة وأهدافها الخفية والمعلنة، فإن السؤال الجوهرى ينصرف إلى طبيعة المشروع الراديكالى الثورى الذى روجت له طهران وحكم البلاد باسم الدين، وما إذا كان قد قدم بالفعل تجربة ديمقراطية يُعتد بها، أم اقتصرعلى تمكين رجال الدين من الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها، ثم لا شيء بعد ذلك؟

مثلت الثورة الإيرانية واحدة من أهم الثورات المعاصرة، ليس فقط بحكم التغييرات الجذرية التى أحدثتها على مستوى الدولة والمجتمع الإيرانيين، وإنما لتجاوز تأثيرها حدودها الجغرافية ضمن مبدأ تصدير الثورة الذى أضحى نصا دستوريا، تستعيد من خلاله فكرة الخلافة الإسلامية ولا يهم هنا إن كانت شيعية أو سنية، فالمنطق فى النهاية واحد.

هذه الثورة ـ التى استمدت شرعيتها فى البداية من دعوتها المثالية ضد الاستبداد السياسى الذى أعزته لنظام الشاه محمد رضا بهلوى، واستطاعت به تجميع أطياف وتيارات المجتمع كافة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ـ مالبثت أن شيدت نظاما أكثر استبدادا باسم ولاية الفقيه، حكما ثيوقراطيا صريحا يزاوج بين التسلط السياسى والدينى، فتخلصت من حلفاء الأمس ومارست أقسى أنواع القمع ضد الخصوم والمعارضين مقابل ديمقراطية شكلية وانتخابات دورية محكومة بنظام شديد الازدواجية، أعطيت فيه الكلمة العليا للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية فى مواجهة رئيس الجمهورية ثم لمجلس صيانة الدستور مقابل البرلمان والحرس الثورى كقوة مسلحة موازية للجيش النظامى، ولم تعد هناك نخبة سياسية حقيقية باستثاء ما تدور فى فلك السلطة، فأسفر الأمر عن تلك المعادلة الزائفة التى تُقسمها بين متشددين وإصلاحيين دون أى تغير ملموس فى السياسات العامة داخليا وخارجيا، والشيء نفسه ينطبق على حال الحقوق والحريات المدنية والفردية ووضع المرأة، وكلها شهدت تدهورا حادا وانتهاكات منتظمة سواء لأسباب سياسية أو دينية، وفقد المجتمع الإيرانى معظم مقوماته الحضارية وقوته الناعمة فى مجالات الفكر والأدب والفنون، ولم يكن الحال أفضل على صعيد الاقتصاد ونسب البطالة وتدنى مستوى المعيشة وتحديث البنية التحتية والخدمات العامة ومكافحة الفساد والشفافية، أى كل ما يندرج تحت مسمى التنمية البشرية.

المفارقة هنا أن النظام أنفق ذومازال- المليارات على بناء وتطوير قوته العسكرية والنووية ودخل فى سباق محموم على التسلح وبناء القواعد العسكرية، كان آخرها قاعدة الصواريخ المزمع إنشاؤها مع فنزويلا فى تكرار للمحاولة السوفيتية فى كوبا أوائل الستينيات، بزعم مواجهة الولايات المتحدة التى انتهت بالفشل.

إن هذه الأولويات المعكوسة لم تكن بالطبع محض مصادفة، بل لخدمة أغراض مشروعه فى التوسع الإقليمى وبسط الهيمنة والنفوذ، وربما لا يفوق إنفاقه على التسلح إلا إنفاقه على حروبه المباشرة وبالوكالة، ما جعل الجمهورية الإسلامية المتهم الأول بالتدخل فى شئون الدول الأخرى، من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، وإن لم يتوقف الأمر عند حدود حلفائها من الشيعة، ولكن امتد أيضا إلى الحركات السياسية السنية وفى مقدمتها حركتا الجهاد وحماس الفلسطينيتان. لكن على الرغم من أن السعى للتوسع الإقليمى هدف فى ذاته، إلا أنه ليس الوحيد، فهناك أيضا البحث عن الشرعية السياسية، بالاتجاه نحو الخارج هروبا من مشكلات الداخل، تؤكد ذلك جميع الشعارات التى رفعها نظام الملالى من «نصرة المستضعفين» فى مواجهة قوى الاستكبار إلى الموت لإسرائيل ومحاربة الشيطان الأكبر والهيمنة الأجنبية عموما، وإن لم يتحقق أى منها على أرض الواقع، ولا يخفى ما فى هذه الشعارات من محاولات لحشد وتعبئة الشعب للوقوف خلف نظام الحكم دون مساءلته، كما تقتضى المعايير البسيطة للديمقراطية فى حدها الأدنى.

الآن تغيرت الظروف، ولم تعد الأجيال الجديدة تكتفى بتلك الشعارات التى فقدت مصداقيتها، وخرجت فى مظاهرات عارمة مطالبة بحقوقها الطبيعية فى الحرية والحياة الكريمة والديمقراطية، وبدأت فى محاسبة النظام على مغامراته الخارجية التى استنزفت ثروات البلاد، وطالبته بالانسحاب من سوريا والكف عن تمويل الميليشيات الموالية له، وفى مقدمتها حزب الله اللبنانى وغيره.

لهذه الأسباب فالتجربة الإيرانية قد هُزمت من داخلها، قبل أن تقف ضدها القوى الدولية والإقليمية، وتحاصرها العقوبات المفروضة عليها والتى تفاقم من أزمتها، وإذا كان ثمة دروس مستفادة من هذه التجربة، فهى لا تُختزل فى قيام الثورة ولكن فى طبيعتها، فكل الثورات بلا استثناء تتسم بداياتها بالعنف ويكون لها ضحاياها، ولكن يبقى الفارق الأساسى الذى يجعل لكل منها مسارا مختلفا متمحورا حول أهدافها ومشروعها السياسى والثقافى الذى تحمله، فالثورة الفرنسية كانت شديدة الدموية، ولكنها أسفرت عن أهم إنجاز حضارى إنسانى لتكريس مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التى أصبحت دستورا للعالم أجمع، وعلى العكس جاءت الثورات ذات الطابع الشمولى كالبلشفية فى روسيا التى انتهت بسقوط الاتحاد السوفيتى وانهيار أحلامه التوسعية الإمبراطورية، وكذلك الثورة الشيوعية التى قادها ماوتسى تونج فى الصين، ولم تؤد فى النهاية إلا إلى تخلفها وعزلتها إلى أن خرجت من عباءتها بعد وفاة زعيمها، وانفتحت على العالم وتبنت سياسة السوق الحرة حتى أصبحت من أكبر الاقتصادات العالمية فى وقتنا الراهن، أما الدرس الآخر فيتعلق بجوهر مشروع الاسلام السياسى، صحيح أن السلطوية فى الشرق الأوسط لا تقتصر على النظام الإيرانى، لكن أى حكم باسم الدين لن يقود إلا إلى مزيد من الاستبداد وتكون تداعياته أخطر من مثيله السياسى، يستوى ذلك كونه شيعيا أوسنيا، لذلك فإيران فى حاجة إلى ثورة جديدة، ولكنها ثورة من أجل الحرية وبناء الإنسان.

نقلًا عن الآهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أربعون عاما من الاستبداد أربعون عاما من الاستبداد



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

اللون الأسود سيطر على إطلالات ياسمين صبري في عام 2024

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 09:59 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضراوات يحدّ من الاكتئاب
  مصر اليوم - النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضراوات يحدّ من الاكتئاب

GMT 09:52 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

ميتا تطلق أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة على فيسبوك وإنستغرام
  مصر اليوم - ميتا تطلق أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة على فيسبوك وإنستغرام

GMT 10:25 2021 الأربعاء ,05 أيار / مايو

فساتين أنيقة بتصاميم مختلفة لربيع وصيف 2021

GMT 17:19 2021 الأربعاء ,14 إبريل / نيسان

طقس الأربعاء حار نهارًا ولطيف ليلًا في أسوان

GMT 04:30 2021 الثلاثاء ,30 آذار/ مارس

أفضل وجهات سفر لعشاق المغامرات

GMT 11:54 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

طريقة عمل مكرونة بصدور الدجاج

GMT 10:40 2021 الجمعة ,12 شباط / فبراير

محمد شريف يحتفل ببرونزية كأس العالم للأندية

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

تلميذات يتخلصن من زميلتهن بالسم بسبب تفوقها الدراسي في مصر

GMT 21:22 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

مرور 17 عام على انضمام أبو تريكة للقلعة الحمراء

GMT 09:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

كرات اللحم المشوية

GMT 06:57 2020 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير أرسنال تختار محمد النني ثاني أفضل لاعب ضد مان يونايتد

GMT 18:47 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير اسم نادي مصر إلى "زد إف سي" بعد استحواذ ساويرس

GMT 07:26 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الدولار في مصر اليوم الأربعاء 21تشرين أول /أكتوبر 2020
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon