يوم الأحد الماضى حدث تطور مهم للغاية فى جنوب سوريا، ينبغى أن يتفكر فيه الجميع ويستخلص العبر.
قوات الجيش السورى تقدمت واقتربت من الحدود مع فلسطين المحتلة، قرب درعا والقنيطرة والجولان السورى المحتل. فى هذه المنطقة كانت هناك بقايا من المسلحين والإرهابيين التابعين لتنظيمات معارضة، وأخرى إرهابية أهمها داعش والنصرة أو القاعدة سابقا، بعضها هرب أو استسلم.
التطور هو أن قوات الاحتلال الإسرائيلى المرابطة على خط الحدود الفاصل، استقبلت عدد ٨٠٠ من عناصر ما يطلق عليهم «الخوذ البيضاء»، ونقلتهم جوا إلى الأردن، ومنها إلى كندا وألمانيا وبريطانيا ليعيشوا هناك لاجئين.
المتحدث باسم جيش الاحتلال افيخاى أدرعى قال «إن عملية الإجلاء تمت استجابة لطلب من الولايات المتحدة ودول أوروبية، فى إطار بادرة إنسانية استثنائية، لأن حياتهم كانت معرضة للخطر».
السؤال الذى ينبغى أن يتبادر إلى ذهن أى متابع أو مراقب: ما الذى يجعل إسرائيل ترتدى ثوب الإنسانية فجأة، وتستجيب لمطالب أوروبية وتنقل عناصر «الخوذ البيضاء»؟!
والسؤال الثانى: منذ متى كانت إسرائيل إنسانية بهذا الشكل، حتى تقوم بمثل هذه المبادرة؟!
والسؤال الثالث: ما الذى يجعل الدول الأوروبية الكبرى حريصة على إجلاء عناصر «الخوذ البيضاء» بهذه السرعة، حتى لا يقعوا أسرى لدى الجيش السورى؟!
لكن وقبل الإجابة على كل هذه الأسئلة يفترض أن نعرف من هم عناصر «الخوذ البيضاء»؟
نظريا يفترض أنهم عناصر من منظمة «الدفاع المدنى السورى»، التى تأسست عام ٢٠١٣، وكانت تقول عن نفسها إنها حيادية وأهدافها إنسانية، وأنها انقذت آلاف المدنيين المحاصرين فى مناطق استهدفها القصف من قبل قوات الجيش السورى والقوات الروسية والقوى الداعمة لنظام بشار الأسد. وتقول الجماعة عن نفسها أيضا إن ٢٠٠ من عناصرها قتلوا وأصيب ٥٠٠ آخرون من المتطوعين فى صفوفها منذ بدء الحرب، بما يعنى انهم من «ملائكة الرحمة» أو الاطباء والممرضين الذين يتطوعون لمساعدة المدنيين فى زمن الحرب.
لكن الحكومة السورية تتهم هذه المجموعة بأنها جزء أصيل من الجماعات الإرهابية التى تحارب الدولة، وأنها كانت ظهيرا ونصيرا لغالبية هذه المجموعات، خصوصا تنظيم القاعدة أو النصرة.
من وجهة نظر الحكومة السورية فإن «الخوذ البيضاء» كانت المروج الأساسى لكل الاتهامات ضد الجيش السورى، بأنه استخدم أسلحة كيماوية، وهى الاتهامات التى استندت إليها كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا فى توجيه ضربات جوية ضد قواعد للنظام السورى، آخرها قبل شهور.
وفى تقدير الحكومة السورية فإن العدو الإسرائيلى يهرب أدواته من عناصر «الخوذ البيضاء»، بعد أن افتضح أمر تلك العناصر، وانتهى الدور الموكل إليهم، وأن الوثائق التى تم العثور عليها فى المناطق المحررة، كشفت ارتباط هذه العناصر بالتنظيمات الإرهابية، خصوصا جبهة النصرة.
مرة أخرى كتبت فى هذا المكان وأكرر اليوم، أن النظام السورى يتحمل مسئولية أساسية، عما وصلت إليه الأحوال فى بلاده، وكان يمكنه أن يوفر كل هذه الدماء ويمنع هذا الخراب، إذا اتبع سياسات وطنية تمنع تفجر الموقف من البداية.
لكن ليس معنى ذلك أن يقبل أى عربى مخلص وسوى أن يكون التخلص من النظام السورى المستبد عبر البوابة الإسرائيلية والأمريكية.
فى اللحظة التى أجلت فيها القوات الإسرائيلية عناصر «الخوذ البيضاء» صدقت رواية أنها مجموعات عميلة، لأن إسرائيل ليس من شيمها الإنسانية، وكما يقولون فى المثل العامى المصرى فإن «الحداية لا تحدف كتاكيت»!!
ومن الواضح أن الدور المشبوه لعناصر «الخوذ البيضاء» قد انتهى، لكن علينا أن نتذكر كيف تعاملت إسرائيل مع عناصر جيش «انطوان لحد» اللبنانى بعد خروجها مدحورة من لبنان. استخدمتهم كعملاء لها، ثم عاملتهم بأسوأ طريقة ممكنة وقالت صحفها لهم: أنتم مجرد عملاء خنتم بلدكم!
تجربة «الخوذ البيضاء» ينبغى أن تكون درسا لكل من يقولون إنهم معارضة فى البلدان العربية، راهنوا على شعوبكم، وناضلوا وعارضوا بطرق سلمية وقانونية من داخل بلدانكم، ولا تلقوا بأنفسكم فى مصيدة المخابرات الأجنبية، خصوصا العدو الصهيونى، وتذكروا أن الشعوب لا تسامح العملاء!
نقلًا عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع