توقيت القاهرة المحلي 22:55:45 آخر تحديث
الجمعة 4 نيسان / أبريل 2025
  مصر اليوم -
أخبار عاجلة

ثقافة العمل و ثقافة الكلام

  مصر اليوم -

ثقافة العمل و ثقافة الكلام

بقلم - نصر محمد عارف

 إن أول قوانين التاريخ أن الأمم تنهض بالعمل و المثابرة عليه و تتراجع ثم تنهار عندما تستبدل به الترف والدعة والاعتماد على الغير، ويسيطر عليها الكلام والجدل والخلاف، والعمل ليس مجرد مفهوم أو شعار أو كلمة، وإنما هو أساس لمنظومة قيمية كاملة تشكل الوعى وتطبعه بصفات معينة، وتحدد مفردات الثقافة بل إنها تعيد صياغة البرنامج اليومى للإنسان الذى هو أهم مكونات ثقافته، وتربية الأمم على ثقافة العمل عملية معقدة غاية التعقيد تحتاج إلى تضافر منظومات اجتماعية وسياسية وتنظيمية ونقابية وتعليمية متعددة؛ لأن هذا الأمر يحتاج إلى إعادة بناء شاملة لثقافة مستقرة وراسخة ومتشبعة؛ تنظمها مكونات ومفردات وسلوكيات وعادات. وأهم الوسائل التى يمكن من خلالها إعادة إدماج ثقافة العمل وقيمه فى النظم الثقافية الراسخة لمجتمعاتنا:

أولا: القيام بعملية غربلة وتصفية شاملة للثقافة المتوارثة لفرز القيم الدافعة للعمل والإنجاز وما يتعلق بهما من قيم وسلوكيات واتجاهات واستبعاد تلك القيم و السلوكيات التى تعوق ثقافة العمل أو تنتقص منها أو تضعفها. ويتم ذلك من خلال عمل يقوم به فريق بحثى متعدد التخصصات والخبرات ينكب على إعداد دستور العمل فى ثقافة المجتمع، واضعا نصب عينيه التركيز على القيم المضادة للعمل، وللإنجاز لأنها الأكثر خطورة فى هذا الصدد فما لم تتم تخلية العقول والنفوس من قيم الاتكالية والفردية والانتهازية والترف والدعة والرغبة فى الكسب السهل اليسير، والقناعة السلبية التى تؤدى إلى عدم الإنجاز، واحتقار العمل اليدوي....الخ. ما لم تتم تصفية هذه القيم وإخراجها من الثقافة العامة للمجتمع فلن يكون ممكنا بعد ذلك إدماج القيم الايجابية فى الثقافة لأن القاعدة تقول «التخلية قبل التحلية» فقبل أن نضيف الأفضل يجب أن نزيل الفاسد.

ثانيا: العمل على إدماج القيم الدافعة إلى العمل فى النظم التعليمية خصوصا ما قبل الجامعية أى التعليم الابتدائى والمتوسط والثانوى وذلك بطرق ووسائل حديثة مبتكرة لا تقوم على الوعظ المباشر أو الخطاب الإرشادى التقليدي؛ وإنما تعتمد وسائل غير مباشرة توظف القصة والصورة وتدفع المتعلم إلى الاكتشاف والتنبؤ والتوصل إلى النتيجة المرجوة بعملية عقلية يقودها هو بنفسه لنفسه، ومن ثم فلن يكون لقيم العمل وثقافته موضع محدد من المنهاج الدراسى دائما ستكون جميع المناهج والمواد الدراسية بدءا من اللغة والدين إلى الرياضيات والعلوم مرورا بالدراسات الاجتماعية والفنية، جميعها ستكون مجالا لبث قيم العمل وإدماجها فى ثقافة النشء وتربيتهم عليها منذ نعومة أظافرهم وهنا يجب أن نستفيد من تجارب دول ومجتمعات أخرى مثل ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية وغيرها، بحيث نعرف كيف استطاعت هذه الدول أن تربى شعوبها تربية تقوم على احترام العمل والترغيب فيه وجعله مصدرا للمتعة الحياتية ومجالا لتحقيق الذات الإنسانية وحصولها على السعادة والطمأنينة فى الحياة.

ثالثا: تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، بدءا من التليفزيون والصحافة والراديو وانتهاء بخطبة الجمعة، وذلك من خلال تطوير وسائل جذابة وتشويقية ترغب المجتمع فى العمل وقيمه، وتدفعه لترك القيم المضادة لقيم العمل والتخلى عنها. ويحتاج هذا الأمر إلى حملات إعلامية وإعلانية بل قد يحتاج إلى تخصيص عام يطلق عليه «عام العمل» على أن يكون مقدمة أساسية للنهوض وتحريك الهمم، وتحفيز الناس ودفعهم للالتفات إلى ما تركوه وراء ظهورهم وانشغلوا بغيره من قيم وسلوكيات واتجاهات ايجابية دافعة للعمل و الإنجاز.

رابعا: تفعيل دور النقابات والاتحادات المهنية والنوادى فى ترسيخ نوعية معينة من قيم العمل مثل: فكرة روح الفريق، أو العمل الجماعي، وفكرة التميز، والإنجاز المتفرد، وأفكار التطوير المستمر، والإتقان والكفاءة...الخ. وذلك من خلال عقد دورات تدريبية وورش عمل على مستويات مختلفة للقيادات المهنية، على أن تقوم تلك القيادات بتدريب الصف التالي، وهكذا أى أن يعتمد أسلوب «تدريب المدربين» حتى يتم الوصول إلى قاعدة الهرم العمالى ليكون العامل نفسه قدوة، ونموذجا للمجتمع يدفعه للاقتداء به و تمثله فى حياته.

خامسا: تأسيس مواقع على الشبكة الدولية للمعلومات لنشر قيم العمل والتدريب عليها و إثارة النقاش حولها و ذلك لتحويل هذه القيم إلى مادة للبحث و النقاش ومن ثم تصير جزءا من ثقافة الأمة.

من خلال هذه الخطوات وغيرها يمكن تحويل ثقافة المجتمع من الانشغال بالكلام والجدل والنقاش فى قضايا لا تهم الشخص المتحدث فيها، ولا يستطيع أن يغيرها اويؤثر فيها، وتحويل اهتمام الافراد الى ما يفيدهم مباشرة، وبذلك تنشأ ثقافات فرعية لكل مهنة، ولكل مجال عمل ينشغل بها المنتمون لهذه المهنة، أو ذلك العمل. ما يحتاجه الميكانيكى أن يتابع أحدث الوسائل والابتكارات فى مجاله، لا أن ينشغل به ليل نهار بموضوعات تفرضها عليه برامج الكلام على شاشات الفضائيات، وما يحتاجه الطبيب أن يتابع أحدث الأبحاث والممارسات فى الطب لا أن ينشغل بالسياسة والاقتصاد، وكأنه يدير دولة. ثقافة العمل تعنى ثقافة كل مهنة التى تجعل العاملين فيها يتقنونها.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثقافة العمل و ثقافة الكلام ثقافة العمل و ثقافة الكلام



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نجمات الموضة يتألقن بأزياء شرقية تجمع بين الأناقة والرقي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 22:21 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

ليفربول يسعى لزيادة راتب المصري محمد صلاح لعدم الرحيل

GMT 10:20 2020 الإثنين ,14 كانون الأول / ديسمبر

5 أرقام تاريخية جديدة لـ محمد صلاح مع ليفربول

GMT 09:38 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

شوربة الفريكة

GMT 00:53 2020 الأربعاء ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

إنفانتينو يعلن مشاركة الدول العربية في كأس العرب للمُنتخبات

GMT 05:41 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

خالد الصاوي يستنكر هجوم "الموسيقيين" على مطربي المهرجانات

GMT 00:27 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعذيب زوج لزوجته "عارية" بـ"السكاكين" في مصر

GMT 09:26 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شريف إكرامي يرد على أحمد شوبير

GMT 11:31 2020 الأربعاء ,23 أيلول / سبتمبر

"موديز" تخفض تصنيف الكويت

GMT 05:34 2020 الأربعاء ,09 أيلول / سبتمبر

بورصة وول ستريت تغلق على انخفاض حاد

GMT 02:17 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفكار مدهشة لحفلات الخطوبة في "عيد الأضحى" 2020
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon