بقلم - أمينة خيري
العالم فى حالة فوضى كبرى، وهى أبعد ما تكون عن الفوضى الخلاقة أو الفوضى البنّاءة أو التدمير البنّاء التى حدثتنا عنها السيدة كونداليزا رايس فى عام 2005. فما نعيشه هو فوضى دون ملامح أو مؤشرات بناء. والدول القادرة على الإبقاء على تدوير أمورها وأمور شعوبها بقدر أدنى من الجودة سيكتب التاريخ لها قدراتها الفذة تلك.
الأمور فى العالم كله بالغة الصعوبة. من أزمات اقتصادية متواترة إلى وباء مستمر، وأغلق العالم فعلياً نحو عامين، إلى حرب فى أوكرانيا يبدو أنها بين طرفين لكن دول المعمورة جميعها متأثر، إلى احتقان مشتعل بين أمريكا والصين، إلى دور إيران المتأرجح بين الشد النووى والجذب الطائفى، إلى قوائم المشكلات الداخلية الخاصة بكل بلد على حدة، يبدو العالم فى أكثر لحظاته الفوضوية غير الخلاقة.
وأرى فى ظل هذه الأوضاع ومعها التعديل الوزارى الكبير (حجماً) الذى حدث مؤخراً فرصة ذهبية لنا لنستيقظ من إغفاءتنا الاختيارية التى طالت. ودوافع ودواعى الاستيقاظ منها ما يلى:
الأول يتعلق بالإنسان. وعى المصرى «بعافية»، ونحن معذورون. فما عايشناه وكابدناه على مر عقود رهيب. لكننا قادرون على اتخاذ قرار بالتوقف عما نحن غارقون فيه من هراء وترهات. علينا أن نهدأ قليلاً من الأدوار التى سبغناها على أنفسنا من خبراء استراتيجيين وعلماء فلك وطب وهندسة ومحاسبة وتجارة ونجارة وسباكة وفلذات وجينات، وننظر إلى أنفسنا وأبنائنا وأحفادنا فى المرآة ونسأل أنفسنا: ماذا نريد لهم ولنا؟ معرفة تفصيلية بقواعد دخول الحمام وموقف الدين بالجمع بين الزوجة وابنة خال عمتها؟ أم نريد لهم ولنا حياة كريمة ليس فقط بتوافر المسكن والمأكل، ولكن أيضاً بتوافر أدمغة البحث العلمى والابتكار والإبداع؟ السؤال نفسه يجب أن تطرحه الدولة على نفسها، لا سيما فى ضوء التعديل الوزارى الأخير. وأعتقد أن بناء الوعى البشرى سيأتى على رأس الأولويات، لأنه أكثر الأولويات وهناً ومرضاً وعلة.
والثانى وثيق الصلة بالأول، وهو التعليم، فالوعى لن يكتمل إلا بتعليم حقيقى. ولو تُرِك التعليم المدرسى لجروبات الـ«ماميز» ليقررن ماهيته، فإننا حتماً هالكون، لا لعيب فى الماميز أو بخساً لقدراتهن الإبداعية، ولكن لأنه ليست هكذا تُدار الأمور. ونقطة البداية هى تحديد وتوضيح وشرح ثقافة التعليم التى لم تعد فى دول العالم التى سبقتنا بكثير حفظاً وصماً وورقاً وحشو أدمغة وسكب محتوياتها على ورقة امتحان واكتناز درجات نهائية والتحاق بكليات جامعية، ومن ثم الانضمام لسوق البطالة المباشرة والمقنعة. ثقافة التعليم ليست مكايدة أو انتقاماً أو إصراراً على عبادة أصنام الثانوية العامة والسنتر والإجابة النموذجية وبناء مستقبل هش قائم على أوائل «قفّلوا» الامتحان لكن محصولهم المعرفى صفر.
والثالث هو المرور، أو بالأحرى سلامتنا على الطرق. وأتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يتبنى الرئيس السيسى مفهوم السلامة على الطريق. لا أحد ينكر جهود رجال المرور فى نصب الكمائن المرورية والبحث فى الرخص ومصادرة بعض التكاتك غير المرخّصة أو الدراجات النارية المجهلة، لكن وضع سلامتنا على الطريق كارثى بمعنى الكلمة. السير العكسى أصبح عقيدة، والسرعات والغشومية تودى بحياة العشرات يومياً، ناهيك عن مركبات بدون أرقام تمخر عباب الطريق دون توقيف أو مساءلة. المنظومة وليست الكمائن أو عدد المخالفات تحتاج بناءً وليس إعادة بناء، لأنها ليست موجودة أصلاً. ولو بسطت الدولة قوتها بالقانون فى الشارع وقواعد السلامة على الطريق، فإنها ستنعكس على مناحى الحياة الأخرى. من أمن العقاب (بالقانون والعدل والحق)، أساء الأدب، والمسيئون كثيرون.
والرابع من وحى كارثة كنيسة أبوسيفين الكاشفة لعشرات الملفات الخطيرة، منها: قواعد الصيانة والأمن الصناعى المفتقدة ليست حكراً على الكنيسة المنكوبة، لكنها سمة غالبة وطاغية. والصدمة الإيجابية لكثيرين من أن مصريين تصادف أنهم مسلمون يساعدون مصريين تصادف أنهم مسيحيون تعنى أن علينا شطب مسميات مثل «عنصرى الأمة» و«شركاء الوطن» وغيرهما من المفردات التى تبدو رائعة، لكنها شديدة العنصرية. المواطنة مفهوم مفتقد وعلينا بناؤه، مع التفكر فى أسباب ما وصلنا إليه من عجب «شركاء الوطن». وهنا أعاود الإشارة إلى الخطاب الدينى السبعيناتى الذى «لبسنا فى حيطة»، والذى هو بالمناسبة مستمر حتى اللحظة، إن لم يكن جهراً فسراً أو على السوشيال ميديا وعبر التوارث من الآباء إلى الأبناء.
والخامس يتعلق بالسوشيال ميديا، هذا الوحش المفترس الذى يحمل مميزات ومساوئ لا أول لها أو آخر، لكننا اخترنا الأخيرة لنبحر ونغرق فيها. الدول لا تدار بالسوشيال ميديا، والتريند اللعين، والفيديوهات التى تنشر القبح والنميمة والفتنة والهبد والرزع اللانهائيين. والإعلام التقليدى لن يعوض ما فاته فى العصر الرقمى بالافتئات على بقايا التريند. مع العلم أن الخسارة على مستوى الوطن والمواطنين من الاستمرار فى اللهاث وراء التريند الساخن كارثية.
والسادس يتعلق بقدراتنا الإنتاجية، إنتاج السلع والأجهزة والخدمات وليس العيال. وهذه القدرات تحتاج نظرة، وهى وثيقة الصلة بالتعليم ونوعيته والثقافة السائدة. وحتى المنتج الجاهز لدينا، ألا وهو عناصر الجذب السياحى نتعامل معه بميول انتحارية، حيث التحرش بالسائحات مذهل ومزرٍ، والنصب الصغير والاحتيال متناهى الصغر مؤلم.
وكل ما سبق وثيق الصلة ببناء الوعى والبقاء رغم الفوضى غير الخلاقة.