بقلم:جميل مطر
عام جديد يقترب بسرعة مذهلة، السرعة نفسها التى تحركت بها وفاجأتنا كل أحداث عام 2020. لن يختلف عن هذه الأحداث وصول عام 2021. هو حدث من هذه الأحداث، هو صنيعتها بامتياز. أكاد أقرر من الآن أنه سوف يدخل التاريخ باعتباره أحد أهم «التواريخ» فى حياة مصر المعاصرة. إنه التاريخ الذى سوف يشهد اجتماع أهم وأخطر مكونات ما سوف يؤرخ له تحت عنوان المعضلة المصرية. هذه المعضلة التى احتشد ليشكلها أكبر عدد من مشكلات البقاء والاستمرار فى حياة أمة شهدت خلال مسيرتها المعقدة على طريق الصعود عديد الإنجازات الحقة والإخفاقات الرهيبة.
***
بلا جدال، أو ضمن جدال معقول ومبرر، أقرر أن ولاية الرئيس دونالد ترامب، هذه الخلفية الفولاذية التى ندخل فى ظلها إلى مستقبل يبدو من الآن غائما بكثرة أحداثه وتداخل أسبابه، قد شقت فى قشرة الكون الجيوسياسى شقوقا سوف نحتاج إلى سنوات من العمل الشاق والصبر العتيد حتى نتعرف على أعماقها ومنحنياتها قبل أن نجرب العيش فيها. أكاد لا أرى قضية لنا فيها نصيب إلا ومسها الرئيس ترامب بعصاه السحرية فتغير شكلها أو تعقدت حلولها، وفى أحسن الأحوال تغيرت مساراتها فتجدد إلى حين أمل الحل أو ابتعد مؤقتا شبح اليأس. أشهد، والذاكرة والحمد لله لا تخون، أن لا قضية مصرية واحدة وجدت بفضله حلا مرضيا يرحمنا من شرور الحروب وطموحات التوسع الإقليمى وعواقب انحدار المكانة.
***
نقترب، وبسرعة كما أعلنت، من نهاية عهد أمريكى وتوازنات للقوى الدولية لم تفصح بعد عن مختلف أبعادها. نقترب أيضا وبنفس السرعة من نتائج مبكرة لأحداث بدأت تتبلور منذ شهور. أقول بوضوح أن بعض هذه الأحداث اجتمعت وإن لم تتكامل بعد، فى شكل تطور ثورى فى الإقليم الذى ننتمى له، وفى الوقت نفسه تطور ثورى فى نظرية العلاقات الدولية، لنكتشف أننا ربما خرجنا من نظام إقليمى عربى وها نحن نطرق، أو يطرق لنا، أبواب نظام إقليمى آخر يتشكل فى غيابنا ولم نستعد له. الغريب فيه وفينا إصرارنا الدائم والثابت على أننا لم ندع إلى قيامه أو نضغط لنشأته. نزعم أن لا دور لنا فى نشأته بينما التاريخ يذكرنا وبكل العنف، الشرير أحيانا، أننا كنا فى صف الذين مهدوا لفكرته قبل أربعين عاما أو ما يزيد. ها هو الآن، أقصد التاريخ، ينصحنا وبكل الخبث، الشرير أيضا، أن نلتحق فورا وإلا وصلنا بعد فوات الأوان فلا نجد لنا مكانا فى الصفوف المحترمة.
***
قبل الانتقال إلى قضية أخرى دعونا نؤكد أن الرئيس ترامب بشخصه وليس بثقل مساعدين أذكياء أو عباقرة ولعلاقته الصادقة والعميقة بالمال استجاب لمشروع تقدم به إليه عدد من أغنى أغنياء اليهود الأمريكيين. عرضوا شراء صكوك عربية فى مواقع أخرى خارج فلسطين واستعدادهم دفع القسط الأخير المستحق للصهيونية فى فلسطين. طرحوا أيضا بلا خجل أو تردد الرغبة فى أن تنهى جامعة الدول العربية علاقتها بفلسطين أو العكس، أى أن يبادر الأعضاء الأصدقاء فى الجامعة بطرح اقتراح طرد دولة فلسطين تأكيدا لحسن النوايا. سمعنا هذا الطرح من أحد ثلاثة أو أربعة مولوا المبادرة الإبراهيمية ونفذوها بأنفسهم. لم يتركوا التنفيذ للدوائر الأمريكية المتخصصة مثل وزارة الخارجية. أحدهم، صاحب الطرح، عين نفسه سفيرا للولايات المتحدة يتحدث باسمها وينفذ ما اتفق عليه فى السر مع نتنياهو وعائلة الرئيس ترامب. فى خضم هذه التطورات الثورية لم ينس السيد بنيامين نتانياهو التصريح بأنه يستعد لإدخال التعديلات الضرورية على خريطة الشرق الأوسط وكأن ما وقع بالفعل حتى الآن لم يغير الخريطة تغييرا جوهريا.
***
أشفق على مسئولين ورثوا هذا الجزء أو ذاك من المعضلة المصرية وفوقهما قضية سد النهضة. أحتار أحيانا، ويحتار معى بعض أبناء جيلى، عندما نجتهد لننسى أننا لم نعد مسئولين فنتسلى فى صمت وهدوء بترتيب أجزاء المعضلة المصرية. نرتبها ثم نقضى شهورا نلاحظ ونراقب ونعود لإعادة ترتيب الأجزاء على ضوء ما تغير وفق موازين شتى. ندرس سلوك الحلفاء التقليديين، وحلفاء المصالح المستجدة، وحلفاء العقيدة الدينية أو من تبقى منهم، والحلفاء الأعداء ومن انضم إليهم، ندرس أيضا خبرات الفريق المصرى وما استجد فيها أو انحدر. ونزن حجم الإمكانات المتاحة لخدمة مصالحنا وقدراتنا على الصمود، ونقرأ بالتبادل ما يكتبه الزملاء الأجانب، كل فى جانب تخصصه، ونكلف الشبان المتحمسين للمشاركة بالبحث والرأى. هكذا نأمل أن نصل إلى وضع يمكن عنده أن نتفهم حال القضية ونقرر فى أى اتجاه سوف تتوجه خلال الشهور التالية.
يبقى دائما كما فى أى قضية وضعها فى الإطار الأكبر حيث تجد الترابط اللازم ببقية قضايا المعضلة المصرية. أذكر مثلا وقتا ضاع فى جهد بذل أثناء محاولة فهم الأسباب التى دعت الرئيس ترامب لعقد اتصاله التليفونى برئيس وزراء إثيوبيا قبل يومين لإبلاغه، متخليا عن شرط اللياقة الدبلوماسية ودور الوساطة، رسالة تحمل إنذارا وبصيغة رسائل الحرب. لم يرق الشك إلى يقين، فالرئيس المنشغل للغاية بظروف إعادة انتخابه لن يكون بحال من الأحوال جادا فى رسالته تماما كحاله فى كل رسائله المرسلة إلى شعبه وحلفائه فى الآونة الأخيرة. الخلاصة أن ترامب بتوجيهه هذا الإنذار لم يفعل سوى أن يزيد قضية النهضة تعقيدا، ويزيد المعضلة المصرية تأزما، ويزيد الأوجاع فى القارة الإفريقية وجعا. ألم يفعل الشىء نفسه مع كوريا الشمالية ولم يسمع نصيحة الصينيين فسجل لأمريكا مهزلة تاريخية؟
***
لم ينتقل لى قلق المشفقين على مصير قناة السويس كمجرى اقتصادى وسريع للملاحة العالمية وفائدتها للتعاون بين الشرق والغرب. أتفهم القلق بعد نشر أنباء عن نوايا وخطط إسرائيلية وخليجية لربط الخليج والبحر العربى بالبحر الأبيض المتوسط بطرق نقل واتصال تقرب المسافة وتخفض تكلفة النقل وتفتح منافذ جديدة متطورة للتجارة ونقل الغاز بين دول الخليج ودول جنوب أوروبا. الأهل فى مدن القناة لم ينسوا كوارث العدوان الثلاثى والحصار الدولى وتعطيل الملاحة فى القناة. أما الأصوات الرسمية فلديها من أسبابها ما يمكن أن يبرر عدم الانفعال لكارثة جديدة يمكن أن تحل بأهل القناة وبالاقتصاد المصرى بشكل عام لو أن التحديات ترابطت أو اجتمعت قبل أن تجد الدولة حلولا مبكرة لأزمة ناتجة عن التحول عن استخدام قناة السويس كليا أو جزئيا. أتصور أنه سيكون من الممكن وبالسرعة الممكنة تطوير البنية التحتية لإقليم البحر الأحمر بحيث تستعيد المدن المقامة على الشاطئ الغربى للبحر سمعتها التاريخية كمرافئ خدمت طرق التجارة، أليس هذا ما فعلته الصين حين طرحت ونفذت مبادرة الحزام وطريق الحرير على طرق ومرافئ أحد أقدم طرق التجارة فى التاريخ. نستطيع بالتأكيد لو أطلقنا للأفكار العنان وسمحنا للابتكار بالانطلاق.
***
المعضلة المصرية حقيقة واقعة لو فاجأتنا بأجزائها مجتمعة وقصرنا فى تفكيك أجزائها عن بعضها. أهملنا فى مجالات حتى حاصرونا من جميع الجهات باتفاقات تحد من حريتنا فى الحركة. تقلصت امتيازات وانكمشت إمكانات ورثناها من علاقات دم ومصاهرة وقرابات وثقافة وعقيدة. هناك جهد يبذل وبعضه محمود ولكن الخريطة الجديدة الجارى رسمها للإقليم ومكانتنا ومكاننا فيه لا تعجبنى. لا تعجبنى لأننى لم أشارك فى رسمها برضا أو بإرادتى الحرة، وعلى كل حال لم أدع لأشارك وهى لا تمثلنى ولا أرتاح لما تمثله. بصراحة هى تخنقنى.
***
2021 يتحدانا من بعيد.