توقيت القاهرة المحلي 02:20:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عباس بين معضلة الانقسام وتعقيدات التسوية

  مصر اليوم -

عباس بين معضلة الانقسام وتعقيدات التسوية

بقلم: نبيل عمرو

في فترة الاحتضار الطويل لياسر عرفات، وحتى قبل مرضه، كانَ محمود عباس هو المرشحَ التلقائيَّ لخلافته؛ ليس فقط لكونه أحدَ التاريخيين المؤسسين الذين بقوا على قيد الحياة، وليس كذلك بفعل استنكاف من كان أعلى منه في التراتبية التنظيمية لحركة «فتح» فاروق القدومي، وإنَّما لسبب أكثر وجاهة وعملية، وهو أنَّه من بدأ مسيرة «أوسلو»، وليس غيره -وفق تقديرات العرَّابين- مَن يكملها، أو على الأقل يحميها من الانهيار النهائي.

حصل عباس على إجماعٍ نموذجي لخلافة عرفات، تجسَّد فلسطينياً بفعل الخوف من الفراغ الذي سينجُم عن رحيل الزعيم المستحوذ على الحالة الفلسطينية، في مراحلها الحربية والسلمية، وكذلك بفعل محدودية فرص من يتقدَّم للمنافسة بعد تعوُّد طويل الأمد على «فتح» صاحبة النفوذ الذي لا يُضاهى في الحياة الوطنية الفلسطينية. ولقد تعزَّز ذلك بإجماع إقليمي ودولي، رأى في عباس الرجل الأكثر قدرة على قيادة سفينة «أوسلو» التي كانت في عهد عرفات قد شارفت على الانهيار.

من عام 2004، بدأت مرحلة عباس باحتلال جميع مواقع عرفات في «فتح» و«منظمة التحرير» و«السُّلطة»، لتتواصل إلى آخر اجتماع عُقد قبل أيام في رام الله.

وفي هذه الحقبة طويلة الأمد، لم تتعرض رئاسة عباس لمعارضات مؤثرة، لا من داخل «فتح» التي يحكمها ولاءٌ بديهي للرجل الأول فيها، ولا من قبل فصائل «منظمة التحرير» التي أفضل ما فيها معرفتها لمحدودية قدراتها في الاختلاف مع «فتح»، وخصوصاً بعد العودة إلى الوطن في حقبة «أوسلو»، والمزايا التي توفرت لها في «كعكة السُّلطة».

ورغم ظهور اختلافات بين بعض قادة «فتح» والرئيس عباس، فإنَّ نتائج الاختلافات كانت حاسمة لمصلحته، فقد أَبعد المختلفين معه؛ ليس فقط عن مواقعهم وإنما عن الوطن، أما بقية فصائل «المنظمة» فقد اكتفت بتسجيل مواقف تبدو معارضة، كالموقف من التنسيق الأمني؛ لكن ذلك لم يصل إلى حد زعزعة زعامته للمنظمة، بقدر ما كان يزعزع مكانة الفصائل التي بدت «قليلة الحيلة» في المعارضة، وأقل حيلة في التأثير على قرارات رئيسها.

غير أن ما كان تأثيره أوسع وأعمق من حدود زعامته، كان التسونامي الذي حدث جرَّاء انتصار حركة «حماس» في الانتخابات العامة التي أسستها وأشرفت عليها حركة «فتح»، والتي تلاها الانقلاب الذي فصل غزة عن الضفة. ومنذ ذلك التطور الخطير لم تتعرض زعامة عباس للخطر؛ بل تعرض الوطن كله، وكان ذلك بمثابة النكبة الثانية أو الثالثة في سجل نكبات الفلسطينيين، التي بدأت في عام 48، وتلتها نكبة 67، ثم نكبة عام 2007، ونكبة 2023 المستمرة حتى الآن.

عملياً، واصل عباس مهامه رئيساً معترفاً به، ولكن ليس كما كان الأمر عليه قبل انقلاب «حماس»، ليجد الرجل نفسه بين شِقَّي الرحى: إسرائيل المتغولة عليه وعلى سُلطته وعلى شعبه، و«حماس» المتمادية في انقسامها وتمردها عليه. ومما زاد الطين بلة، أن هذا التطور الكارثي وقع واستفحل وتواصل في وقت أُغلقت فيه آفاق الحل السياسي الذي كان عباس أحد مؤسسيه، وحين قيَّضت له الأقدار قيادة الفلسطينيين خليفةً لعرفات، كان بساط الحلول قد سُحب من تحت قدميه، وكانت الحالة الفلسطينية العامة التي بُنيَت أساساً على التسوية المحتملة التي بدأت بـ«أوسلو» قد تدهورت، ليتدهور معها النظام السياسي الفلسطيني كله.

الحِدَّة التي أظهرها الرئيس عباس في خطابه أمام الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي، والتي زادت وتيرتها عن كل ما سبقها، مَرَدُّها شعوره بالخذلان، وتخلِّي العرَّاب الأميركي عن مشروع السلام الذي رعاه في البدايات، وتغاضى عن التنكيل الإسرائيلي به في منتصف الطريق وحتى الآن، وشعوره كذلك بما تنتجه سياسات «حماس» في أمور لا دور له فيها؛ لا في أسبابها ولا في مساراتها ونتائجها.

عباس الذي يعرف أكثر من غيره -وهو على عتبة التسعين من عمره- أن إنقاذ «أوسلو» وإعادتها لمسارها القديم الذي كان له دورٌ أساسي في تأسيسه، ليس متعثراً فقط؛ بل إنه مستحيل؛ ذلك بفعل المستجدات التي غيَّرت مسارات التسوية.

فلقد دخلت على جدول الأعمال بنودٌ لم تكن مطروحة من قبل، مثل حرب غزة ومعالجة آثارها التي تعادل وتفوق آثار النكبات الفلسطينية مجتمعة، وكذلك هواجس إحياء «صفقة القرن» التي تطورت إلى الأسوأ من خلال أدبيات مؤسسها ترمب، وتجاوزها إلى ما هو أسوأ منها، أي تهجير أهل غزة وممالأة اليمين الإسرائيلي في أجنداته الأسوأ كثيراً من أجندة «صفقة القرن».

بسهولة، مرَّر عباس بعض ما رآه وما طُلب منه كإصلاح للنظام السياسي، غير أن ما هو أصعب بكثير أن تفضي خطواته في هذا المجال إلى إخراج الحالة الفلسطينية من مآزقها المتوالدة، ووضعها على مسارٍ سياسي يقرِّب الفلسطينيين من حلم قيام الدولة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عباس بين معضلة الانقسام وتعقيدات التسوية عباس بين معضلة الانقسام وتعقيدات التسوية



GMT 08:11 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

“تأجيل” السلاح… خدمة لمشروع الكيان العلوي

GMT 08:08 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

أم كلثوم و٥٠ عاما من الحضور

GMT 08:05 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

السَّنة الفارطة... زحمة مسيَّرات

GMT 08:04 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

مع مطلعِ العام الجديد دربوا أخيلتكم

GMT 08:02 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

حبات متفجرة في خيط مسبحةِ عامٍ جديد

GMT 08:00 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

إيران وإسرائيل وأميركا... بداية مقلقة لعامٍ جديد

GMT 07:58 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

السعودية وإنقاذ اليمن

GMT 07:57 2026 السبت ,03 كانون الثاني / يناير

إسرائيل وأرض الصومال

GMT 02:20 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا
  مصر اليوم - جميل عازار وداعا

GMT 11:48 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

نيللي كريم تمثل جسرًا بين الأجيال في الفن المصري

GMT 09:02 2020 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

طارق شوقي يفجر مفاجأة صادمة للمعلمين المؤقتين

GMT 12:43 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

طريقة إعداد وتحضير لفائف اللحم بالفطر والزيتون

GMT 12:36 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

طريقة سهلة وبسيطة لإعداد طاجن المكرونة بالدجاج

GMT 20:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

النرويجي كارلسن يتوج باللقب العالمي في الشطرنج الخاطف

GMT 02:37 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

قمة بيروت التنموية وحتمية الاستثمار في البشر

GMT 23:27 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير يخنة البامية مع النقانق المتبّلة

GMT 03:53 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين المحمدي يعلن عن قرب انتهاء أزمته مع الزمالك

GMT 03:13 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

منى أحمد تؤكد أن برج الحوت لا يثق بأن هناك من يحبه

GMT 11:27 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

اختاري كريم الأساس حسب عمرك لإخفاء تجاعيد البشرة

GMT 08:22 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

امضي شهر عسل رومانسي ومميز في أفخم فنادق باريس

GMT 02:37 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

الفنانة سارة سلامة "نصابة" فى "عش الدبابير

GMT 10:18 2018 الإثنين ,10 أيلول / سبتمبر

اكتشاف كهف أرضي بين طريق مدينتي رأس سدر وأبوزنيمة

GMT 06:30 2018 الثلاثاء ,10 تموز / يوليو

كريستيانو رونالدو ينتقل إلى يوفنتوس خلال 48 ساعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt