توقيت القاهرة المحلي 09:40:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رهاب الحداثة!

  مصر اليوم -

رهاب الحداثة

بقلم : د.محمد الرميحى

ربما هي من بين الثقافات التي تكاد تكون جامدة نسبياً، وأعني بها الثقافة العربية المعاصرة، بعض الثقافات الإنسانية تعاني ما يمكن أن يُعرف بـ"رهاب الحداثة" والميل إلى الاعتقاد بأن كل ما هو آت من الخارج مضر.

جزء غير يسير من ثقافتنا يميل إلى ذلك، ويتمثل في تعظيم الماضي والحطّ من الحاضر، وهي ظاهرة عكس سير التاريخ الإنساني. إنها ظاهرة تغلف حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية، فهي تكثف رؤيتها إلى الحياة والعالم من خلال "الحلال والحرام" كما يراه بعض المجتهدين، والذين ليسوا بالضرورة على سوية معقولة من العلم والمعرفة الحديثة! هؤلاء يفرضون رؤيتهم على المجتمع ويكونون أوصياء عليه في كل شاردة وواردة.

من دون التخلص من تلك الوصاية لن تنفعنا الشعارات التي ينادي بها البعض، كمثل الديموقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والتحرر، فكلها "شعارات" يناقضها معظم الواقع الذي نعيش في المئة سنة الأخيرة على الأقل.

نحن نعيش الحاضر ولا نعايشه، تلك هي المعركة الفكرية والسياسية الكبرى المسكوت عنها في فضائنا الثقافي والسياسي، والمسببة لكل ذلك التنافر والعداء.

لعل هذه المقدمة تحتاج إلى بعض الإيضاح والأمثلة. قبل مئة عام أو أكثر قليلاً ذكرنا بطرس البستاني في نهاية القرن التاسع عشر، وهو يتكلم عن نهوض الأمم وسقوطها بالقول إن السبب هو "ما لها من حرية وما عليها من قيود"، وكل ما نشير إليه اليوم عن محرر النساء قاسم أمين وعن أنه أحدث زلزالاً في المجتمع العربي وما زال بعض المتزمتين يذكره باستنكار. كل ما طالب به الرجل هو تعليم المرأة حتى المستوى الابتدائي! لقد واجه وما زالت أفكاره تواجه بالكثير من المعارضة من "حراس النيات" و"الأوصياء"، في مرحلة كان لبس البنطال للرجل محرماً وكذلك إسالة المياه في الصنابير، ويرى البعض اليوم أن لبس البنطال للمرأة قريب من التحريم، ولقد وقفت المطبعة الحديثة ثلاثمئة عام على بوابة العالم الإسلامي لأن أحد الأوصياء أفتى بحرمتها بحجة احتمال أن يطبع القرآن من خلالها، وبالتالي تعاظمت أوروبا في طبع الكتب ونشر التنوير، وبقيت هذه المنطقة تنسخ الكتب يدوياً!

أخيراً، في الكويت ينتخب أعضاء مجلس الأمة من الناس، ثم يقرر في أولى جلساته إنشاء لجنة تسمى "لجنة القيم"! بمعنى أن من انتخبهم الناس يريدون أن يكونوا أوصياء على الناس في فهم مغلوط لفكرة الديموقراطية. منذ مئة عام والمستنيرون في الكويت يناضلون عكس ما يريده الأوصياء، فقد كانت أول مدرسة نظامية دار حولها جدل من نوع: هل يمكن أن نعلّم طلابنا اللغة الإنكليزية؟! وكان الأوصياء يعارضون ذلك لأسباب اعتقدوا أنها دينية!

معركة رهاب الحداثة تجدها في التاريخ العربي على امتداد معاصرته، بعد الخروج من عصر الظلام، فهي في ليبيا كما يحدثنا المرحوم علي عتيقة في مذكراته، أنه كان يحرّم لبس ملابس الكشافة الإيطالية واعتبار أن كل من يلبس تلك الملابس قد خرج من الدين. تجد ذلك وأمثاله في مصر والعراق واليمن بأشكال ومظاهر مختلفة في الجغرافيا العربية والإسلامية الشاسعة، وهي اليوم ممثلة خير تمثيل في الممارسات التي تقوم بها "طالبان" في أفغانستان من حرمان النساء من التعليم والعمل على أنه "من أصول الدين"! حتى تركيا العلمانية، بحسب قوانينها المكتوبة، تنسحب من شرعة المساواة بين الجنسين التي وقعت عليها في وقت سابق، ذلك جزء منه تسييس وجزء آخر التزام بمقولات الأوصياء.

المجتمعات بطبيعتها تتغير وكذلك سلوك البشر، ولدينا كتاب للناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي بعنوان "الفقيه الفضائي"، يفكك فيه فتوى الفضائيات وخروجها عن التفكير السليم ومعارضة كثير منها للمصالح المرسلة للناس. وفي مقالة أخيرة للكاتب مشعل السديري في "الشرق الأوسط" بمناسبة موسم الحج الأخير بعنوان "كيف كان الحج وكيف أصبح"، يقول في جزء منه: "بالنسبة إلى رمي الجمرات لم تعد هناك مشقة في جمع الحصى، فكل عدد من الحجارة يقدم لك في كيس مغلف... وما عليك إلا رجم الشيطان". تلك طبيعة الأمور، إن السلوك المجتمعي في تغير.

لقد عاش المجتمع العربي، ولا يزال، حبيس تفكير الأوصياء وتكفيرهم، واختلط الكثير منه بالسياسة وظهرت جماعات تستفيد من تلك المقولات تحت شعارات مختلفة، منها إقامة الخلافة الإسلامية، ومنها تكفير المجتمع، وغيرها من الشعارات التي يقف خلفها ويدعو لها الأوصياء، ما عطل الكثير من المصالح المرسلة للمجتمعات، وأقعدها عن ركب الحضارة وأغرى بها الآخرين، وكانت تلك الأفكار في الغالب وبالاً على تلك المجتمعات وما زالت.

الوصاية مناقضة للحرية، والأخيرة هي السبيل لنهضة الأمم كما قال كثيرون، منهم من أشرنا إليه آنفاً بطرس البستاني. وكلما قربت الدولة أو المجتمع العربي أو الإسلامي من خلع الأوصياء وتجنبهم، قربت إلى التفكير العقلاني وهو الطريق السليم في التنمية والتقدم وأيضاً في الأمن الوطني.

لعل مشروع محمد بن سلمان - مع حفظ الألقاب - في بلد كبير ومؤثر هو المملكة العربية السعودية، في الخروج من الوصاية، كما أشار إليها في أحاديثه، وكما يحققها على أرض الواقع، يشكل أصعب تحدياته التخلص من أفكار الأوصياء الذين دأبوا على تفسيراتهم الغارقة في الماضوية من غير حجة عقلانية، وعلى غير هدى، هم القابضون على توجيه المجتمع، وبالتالي تعويقه عن السير مع ما وصل إليه العالم من تنظيم وتقدم، فالشروع في تطوير التعليم وتجويده ومسايرته ما وصل إليه الإنسان من تقدم، واعتماد العقلانية في فهم الظواهر وتفسيرها والتفريق بين ما هو تقاليد وعادات، وبين ما هو عقيدة وعبادة، هو الأكثر صعوبة في المشروع لأنه يواجه بثوابت في عقول البعض تحتاج إلى عمل متدرج ولكن ثابت لتغييرها.

لقد اختطف "حراس النيات" ومن نصّب نفسه وصياً على المجتمع، اختطفوا مجتمعاتنا وما زالت فئة من تلك المجتمعات خاضعة طوعاً أو جهلاً لنواهيهم وأوامرهم، ويحتاج الأمر أولاً إلى فهم تلك الإشكالية الاجتماعية، وثانياً إلى رسم الخطط والدعوة الشجاعة إلى كف وصايتهم.

فكلما خضع المجتمع لرهاب الحداثة تخلف! والعالم لا يتوقف عن التطور.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رهاب الحداثة رهاب الحداثة



GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

GMT 06:16 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

مشكلة إصلاح التعليم

اللون الأسود سيطر على إطلالات ياسمين صبري في عام 2024

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 09:59 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضراوات يحدّ من الاكتئاب
  مصر اليوم - النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضراوات يحدّ من الاكتئاب

GMT 09:52 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

ميتا تطلق أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة على فيسبوك وإنستغرام
  مصر اليوم - ميتا تطلق أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة على فيسبوك وإنستغرام

GMT 10:25 2021 الأربعاء ,05 أيار / مايو

فساتين أنيقة بتصاميم مختلفة لربيع وصيف 2021

GMT 17:19 2021 الأربعاء ,14 إبريل / نيسان

طقس الأربعاء حار نهارًا ولطيف ليلًا في أسوان

GMT 04:30 2021 الثلاثاء ,30 آذار/ مارس

أفضل وجهات سفر لعشاق المغامرات

GMT 11:54 2021 الأحد ,07 آذار/ مارس

طريقة عمل مكرونة بصدور الدجاج

GMT 10:40 2021 الجمعة ,12 شباط / فبراير

محمد شريف يحتفل ببرونزية كأس العالم للأندية

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

تلميذات يتخلصن من زميلتهن بالسم بسبب تفوقها الدراسي في مصر

GMT 21:22 2021 السبت ,16 كانون الثاني / يناير

مرور 17 عام على انضمام أبو تريكة للقلعة الحمراء

GMT 09:42 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

كرات اللحم المشوية

GMT 06:57 2020 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير أرسنال تختار محمد النني ثاني أفضل لاعب ضد مان يونايتد

GMT 18:47 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير اسم نادي مصر إلى "زد إف سي" بعد استحواذ ساويرس

GMT 07:26 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الدولار في مصر اليوم الأربعاء 21تشرين أول /أكتوبر 2020

GMT 21:31 2020 الإثنين ,12 تشرين الأول / أكتوبر

لعنة الغيابات تضرب بيراميدز قبل مواجهة الطلائع في الكأس

GMT 07:46 2020 الأحد ,11 تشرين الأول / أكتوبر

أسعار الأسماك في مصر اليوم الأحد 11 تشرين أول /أكتوبر 2020

GMT 21:43 2020 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

فنانة شابة تنتحر في ظروف غامضة

GMT 21:14 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon