بقلم: نشوى الحوفى
قادتنى المصادفة لمتابعة فيلم «Queen Of Katwe» أو «ملكة كاتوى» إنتاج ديزنى 2016، لأكتشف معه كنزاً لسيرة إنسانية حقيقية لفتاة أوغندية صارت مثالاً وقدوة وأملاً فى بلدها أوغندا فى السنوات القليلة الماضية، وهى التى عانت يُتم الأب والجوع والأمية والفقر والعيش فى العراء فى عشة من صفيح مع أم لم تدخر وسعاً لتحقيق ما تيسر من أمان لعائلتها.
لو كنت صاحبة قرار فى التعليم لجعلت من قصة حياة «فيونا موتاسى» درساً فى مناهج التعليم لتكون أملاً ونموذجاً للجميع.
فهى فتاة تحيا فى إحدى عشوائيات الصفيح فى منطقة كاتوى بأوغندا وتبيع الذرة مع أخيها براين ووالدتها الحزينة دوماً من عبء المسئولية وفقدان الزوج فى سن صغيرة.
تسوق الأقدار «فيونا» وشقيقها للذهاب لدرس المُعلم «روبرت كاتيندى» المسئول عن مبادرة أطلقتها إحدى الكنائس لمنح الأطفال الجوعى فى كاتوى كوباً مجانياً من الطعام الساخن يومياً مقابل تعليمهم لعبة الشطرنج. كانت «فيونا» وأخوها يبحثان عن الطعام دون أن يدركا أن للقدر تصاريف أخرى.
المُعلم كاتيندى هو الآخر نموذج للإنسان الذى عانى اليتم والفقر والبؤس فى صغره، ولكنه أصر على تحويل حياته من اليأس للنجاح والأمل. فتعلم الشطرنج وكرة القدم وصارا مصدر تمويله لإكمال دراسته للهندسة. وحينما تخرج لم يجد عملاً سوى التدريس الذى وفر له راتباً منحه بالكاد حياة هادئة مع زوجته وطفلهما، ولكنه أصر على تعليم الشطرنج للكثير من أطفال أوغندا الفقراء منذ عام 2004 علّه يمنحهم طريق الخروج من خريطة المعاناة.
وهو ما قال عنه لتلاميذه: «الحياة على لوح شطرنج شبيهة بالحياة فى مدينة صفيح. ثمّة تحديات ومفاجآت فى كل مكان، لكن إذا ما أمعنتم النظر، يمكنكم رصد فرص وإيجاد سبل لتدبر أمركم».
وتنجح «فيونا» وتبدى تفوقاً فطرياً عبقرياً فى فهم اللعبة واستراتيجيتها حتى على أستاذها الذى علمها، فيخوض بها مسابقة فى العاصمة فى إحدى مدارس الأثرياء، فتتفوق على منافسها الذى مسح يده فى أول لقائه بها بعد سلامه عليها! وتواصل التفوق فى ظل ظروفها المستحيلة، وتكون نموذجاً للرضا الساعى للتغيير بلا كراهية أو حقد على من هم أفضل منها. لتصبح خلال عامين فقط من بدايتها بطلة أوغندا للناشئين فى الشطرنج، ثم بطلة أوغندا للكبار بعد ثلاث سنوات، ولتترشح فى عام 2012 وهى بعد لم تتعد سن 16 سنة للقب الأستاذية فى الشطرنج بعد فوزها فى مسابقات دولية فى السودان وسيبيريا. وتتوج نجاحها بشراء منزل آمن لأسرتها بما كسبته من مال، وتلتحق بالدراسة هى وإخوتها وتهدى أمها السكينة التى افتقدتها سنين طويلة. وتلفت أنظار العالم لتنتج قصتها شركة ديزنى.
القصة بالنسبة لى لا تحكى تحدى فتاة لظروف بيئتها وحياتها لكى تصنع لنفسها مستقبلاً أفضل، ولكنها تعنى لى العثور على أبطال حقيقيين فى الحياة يتحدون الفقر والجهل وكافة مبررات الفشل والموت والانسحاب والتفكير فى الذات. فقصة ملكة كاتوى لا تحمل نجاحاً فردياً لفيونا وحسب، ولكنها بطولة جماعية لمُعلم أدرك الهدف من وجوده فلم يتخل عنه بحثاً عن مال، حتى إنه يرفض وظيفة براتب أفضل ليكمل دوره مع الأطفال. وأم كانت وراء أبنائها بكل ما أوتيت من قوة، حتى إنها باعت فستان زفافها الباقى لها من زوجها لتشترى لفيونا زيت قنديل تقرأ عليه تعليمات الشطرنج. نعم قصة بطولة أفريقية من قلب البؤس تصفع كل من يبرر لذاته فشله وتقاعسه بالظروف، وتؤكد أن هناك ملوكاً وملكات علينا البحث عنهم فى قارتنا وبلادنا.. فتحياتى لملكة كاتوى وأمها ومعلمها ومَن مثلهم.