بقلم - نشوى الحوفى
«عمل صادم قام به متوحشون معادون للسامية»! بتلك الكلمات عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلى عن انزعاجه من قيام بعض الفرنسيين برسم علامة الصليب المعقوف (رمز النازية) على بعض مشاهد مقبرة يهودية فى فرنسا، إلى حد دفع الرئيس الفرنسى ماكرون لزيارة المقبرة وبيده وردة بيضاء علامة الحب الصافى! مؤكداً أن من قاموا برسم تلك العلامة النازية لا يعبّرون بأى حال عن الجمهورية الفرنسية وقيمها.
ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.. فقد نظّم ساسة فرنسا مسيرة ضخمة يوم الخميس الماضى فى قلب باريس شارك فيها 18 حزباً سياسياً ورموز النخبة الفرنسية، يتقدمهم رئيسا فرنسا السابقان ساركوزى وأولاند، لتؤكد المسيرة رفضها لكل الممارسات المعادية للسامية، ليس فقط الرسومات على المقبرة اليهودية، ولكن أيضاً بعض الألفاظ العنصرية التى رددتها مسيرات السترات الصفر على مدار الأشهر الماضية!
وأيضاً لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.. فقد خطب ماكرون مؤكداً أن الوقت وقت الأفعال لا الأقوال، وأنه لهذا سيسعى لسنّ قانون جديد يوسع مفهوم معاداة السامية ليمتد إلى تجريم معاداة الصهيونية؟! تتوقف وأنت تتابع توالى ردود الفعل الفرنسية على بعض الألفاظ التى وصفوها بالعداء وتتأمل فى توقيتها وطبيعتها والهدف منها.
أتفهّم -بحكم التاريخ- إحساس الأوروبيين عامة، والفرنسيين بوجه خاص، بأزمة اضطهاد اليهود فى حقب تاريخية مختلفة. ففى العام 1938 رفضت أوروبا استقبال اللاجئين اليهود، وفى العام 1942 تنقل فرنسا أولى دفعات اليهود إلى ألمانيا لإحراقهم كما تقول الروايات المروية عنهم فى محارق النازى، ولا يزال الفرنسيون يحيون تلك المرويات، ولكن الأمر بات أكثر من أكذوبة معاداة السامية التى روّجوا لها لسنوات، فالسامية المنسوبة إلى سام ابن النبى نوح لا تعنى اليهود من شتى بقاع الأرض، لأن سام هو أبوالعرب والآشوريين دون تمييز بعقيدة دينية. ولو اتبع من أصدروا قانون معاداة السامية حق الكلمة لعاقبوا إسرائيل على فعلها بأرضنا وأهالينا منذ سنوات طويلة. ولكنه تغييب الفكر والفهم الذى نحياه. ولكن أن يصل الأمر إلى تجريم معاداة الصهيونية، فتلك هى عبثية الفكر والمنحى والتقنين والسياسة أيضاً.
فالصهيونية التى دعا لها تيودور هرتزل منذ نهاية القرن التاسع عشر وأسس لها وجمع شتات اليهود بها وأعلن إصرارهم على إنشاء دولة إسرائيل فى أرض فلسطين العربية بدعوى أنها أرض الميعاد التى تنتظر قيام الدولة اليهودية! حركة ذات أيديولوجيا فاسدة، والغرب قبل العرب يعلم ذلك. كما أن تجريم كراهية فكرة أيديولوجية قائمة على ممارسة العنف ضد من يعاديها لهو الإرهاب بعينه، وهو ما يناقض الحرية والتعبير عنها كما تدّعى فرنسا.
وأتوقف أمام ما أعلنته الوكالة اليهودية فى أوروبا بتزايد الأعمال المعادية للسامية فى العام 2018 فى أوروبا بوجه عام، وقالت إن تلك الأعمال نابعة من جذور يمينية متطرفة وعربية إسلامية. وهذا هو مربط الفرس، فللمرة الأولى أرى صراحة الربط بين اليمين المتطرف وبين العرب المسلمين، فى إشارة إلى تطرف كليهما، كما تغذى الصهيونية ذلك عبر تمويل تجار الدين ممن يدّعون القتال باسم الإسلام، بدءاً من الإخوان مروراً بالسلفيين انتهاءً بمن يموّنهم «داعش والقاعدة». نعم الصهيونية -أياً كانت عقيدتها الدينية- هى من تمول وتسلح وتدفع بهؤلاء إلى مناطق ترى فى اشتعالها مصلحة لها. ولذا كيف لا أنتقد الصهيونية وأبادلها كراهية المشاعر وقد أُسست على انتزاع الحقوق واغتصاب الأرواح؟
هذا ما يعدون له.. فهل نحن واعون؟
نقلا عن الوطن
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع