توقيت القاهرة المحلي 00:09:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بايدن والرجوع إلى «التانغو»

  مصر اليوم -

بايدن والرجوع إلى «التانغو»

بقلم - غسان شربل

يقول خبراء «التانغو» إن هذه الرقصة تبدو بسيطة للوهلة الأولى لكنها ليست كذلك. نجاحها يستلزم قناعة راسخة بالحاجة إليها، ولياقة نفسية وجسدية، وقدرة على الاستماع بعمق إلى الشريك، إلى تطلعاته ومخاوفه وهواجسه. لا ينفذ الرقصة واحدٌ من طرفيها، بل تحتاج إلى الاثنين، وإلى توقيع الخطوات في اللحظة المناسبة، والمسارعة إلى التصحيح واستعادة الانسجام. ومن شروط النجاح ألا تملي إرادتك على شريكك، أو تطالبه بأن يكون مجرد نسخة منك. الاختلاف يثري الرقصة، والالتزام هو الضمانة. ليس من حقك أن تستقيل من الشراكة عند المنعطفات، ففي هذا العالم تتضاعف الحاجة إلى «التانغو». وما يصدق على العلاقة بين الأفراد يصدق أيضاً على العلاقة بين الدول. تقوم الرقصة على قراءة دقيقة للمصالح المتبادلة، وكل رقصة تحتاج إلى صيانة دائمة، على قاعدة المصالح وحسابات المسافات الطويلة.

الولايات المتحدة عملاق اقتصادي وسياسي وعسكري وتكنولوجي، تتأثر خطواتها أحياناً بتبدل الإدارات والاجتهادات. وترتبك الرقصة معها أحياناً لكن الحسابات الواقعية تعود إلى التغلب على ما عداها. الكلمة الأخيرة هي للمصالح، مصالح الحاضر ومصالح المستقبل. لا يستطيع أي عملاق أن يرقصَ منفرداً، بل لا بد من شركاء، ولا بد من شراكات قابلة للعيش والاستمرار، لا مفر من العودة إلى أصول التانغو.

من حق المتابع للشأن الدولي أن يطرح أسئلة صعبة ومتأخرة: هل كان العالم سيصل إلى ما وصل إليه لو حرصت الولايات المتحدة على تنفيذ رقصة التانغو مع روسيا الوافدة من الركام السوفياتي؟ وهل كانت روسيا ستشعر بالحاجة إلى مشروع كبير للثأر كُلف فلاديمير بوتين بحمله رداً على تغليب الشريك هاجس الانتصار على أصول «التانغو»؟ وماذا يبقى من الرقصة حين يحرك حلف «الناتو» بيادقه باتجاه الحدود الروسية؟ أوليس أول شروط الرقص أن تستمع بعمق إلى هواجس شريكك؟ أسئلة متأخرة فقد وقع الزلزال.

سياسات ما بعد الزلزال لا تشبه ما قبله. ويتأكد الأمر حين يكون الزلزال شاملاً وينذر بعواقب وخيمة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وفي مناطق بعيدة عن مسرحه الحالي. وبهذا المعنى يمكن القول إن الزلزال الأوكراني غير مسبوق، ليس فقط في عالم ما بعد انهيار جدار برلين، بل أيضاً في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.

منذ اللحظة الأولى اقتحمت الحرب الروسية في أوكرانيا مكتب الرئيس جو بايدن. لا يمكن اعتبارها نزاعاً حدودياً، وهي أخطر من مجرد إعادة لغة الحرب إلى القارة الأوروبية. إنها انقلاب واسع على النموذج الذي هزم الاتحاد السوفياتي ودمره. ولا يقتصر الأمر على انخراط دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن في حرب لتغيير الخرائط والمعالم. إنها حرب تخاض بالترسانة العسكرية لدولة نووية، فضلاً على أسلحة الطاقة والقمح. وقد وجد بايدن نفسه في وضع صعب. الاستقالة من مصير أوكرانيا أكبر من قدرة أميركا والغرب على الاحتمال، والانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين حلف «الناتو» والجيش الروسي أكبر من قدرة العالم على الاحتمال. وكان الخيار الأميركي والأوروبي قد دعم أوكرانيا لجعل الغزو الروسي باهظَ التكاليف وغير قابل للتكرار. وسرعان ما اتضح أن العالم وقع في فخ حرب طويلة يصعب حسمها ويصعب الخروج منها.

في ظل هذه اللوحة تنعقد هذا الأسبوع على أرض السعودية لقاءات جدة التي تعني مستقبل الشرق الأوسط. قمة أميركية - سعودية وأخرى أميركية - خليجية - عربية. مجرد انعقاد اللقاءات هذه يعني عودة الشرق الأوسط إلى موقع الاهتمام لدى واشنطن، التي كانت قد بدأت منذ سنوات رحلة الابتعاد عن هذه المنطقة للتفرغ لاحتواء الصعود الصيني. اكتشفت واشنطن أن الشرق الأوسط لا يزال (حاجة)، وأنه لا يزال يمتلك مفاتيح استقرار أسواق الطاقة، على رغم التبدلات التي طرأت على حاجة الولايات المتحدة إلى نفط المنطقة.

ولا غرابة أن تنعقدَ هذه المواعيد المهمة على أرض السعودية وبمشاركة خليجية ومصرية وأردنية وعراقية. ثقل السعودية العربي والإسلامي والدولي تضاعف في السنوات الأخيرة بفعل النهضة التي أطلق شرارتها الأمير محمد بن سلمان، وحولت بلاده قاطرة استقرار وازدهار. السعودية الجديدة شريك لا بد منه في التطلع إلى شرق أوسط مستقر ومزدهر. فمنذ سنوات انخرطت السعودية في ورشة لتحسين مستوى حياة مواطنيها، وهو ما جعلها مصدر إلهام على امتداد العالمين العربي والإسلامي. شراكات وجسور وعلاقات على قاعدة المصالح المتبادلة ومسؤولية في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية. وحركة تقدُّم طوت صفحة الأيام التي كانت فيها الأفكار المتشددة قادرة على البلبلة والاستدراج وشل المجتمع وكبح الطموحات.

اجتازت علاقات أميركا مع أصدقائها العرب في المنطقة، بمن فيهم السعودية، امتحانات صعبة. شعرت دول كثيرة أن أميركا ابتعدت عن أصول التانغو وقواعد الاستماع العميق إلى الشركاء وتفهم هواجسهم فيما يتعلق بملفات قديمة وأخرى جديدة تمتد من النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى اليمن، مروراً بفصول الاتفاق النووي مع إيران، وإصرار طهران على مواصلة تصدير سياسة زعزعة الاستقرار. لا بد من انتظار النتائج، لكن الواضح أن إدارة بايدن تحاول العودة إلى أصول «التانغو». ما بعد الزلزال الأوكراني ليس كما قبله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بايدن والرجوع إلى «التانغو» بايدن والرجوع إلى «التانغو»



GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

GMT 06:16 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

مشكلة إصلاح التعليم

GMT 07:57 2024 الأحد ,21 تموز / يوليو

رصاصة النجاة

ياسمين صبري بإطلالات أنيقة كررت فيها لمساتها الجمالية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 16:38 2024 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

إطلالات مختلفة تناسب قصيرات القامة من وحي منى زكي
  مصر اليوم - إطلالات مختلفة تناسب قصيرات القامة من وحي منى زكي

GMT 08:13 2024 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

الضوء في الليل يزيد فرص الإصابة بالسكري
  مصر اليوم - الضوء في الليل يزيد فرص الإصابة بالسكري

GMT 23:07 2024 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أحمد رزق يتعاقد على مسلسل «سيد الناس» رمضان 2025
  مصر اليوم - أحمد رزق يتعاقد على مسلسل «سيد الناس» رمضان 2025

GMT 18:46 2017 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

دار Blancheur تعلن عن عرض مميز لأزياء المحجبات في لندن

GMT 10:03 2020 السبت ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل الفاصوليا البيضاء

GMT 04:45 2020 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

الأمن المصري يكشف حقيقة اختطاف فتاة في منطقة "المعادي"

GMT 10:07 2020 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الصحة: تسجيل 106 إصابات جديدة بـ كورونا و12 وفاة

GMT 11:56 2020 الخميس ,13 آب / أغسطس

7 أشكال غريبة لرفوف الكتب تعرفي عليها

GMT 17:04 2020 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

مستشار الرئاسة التركية ياسين أقطاي يوجه رسالة إلى مصر

GMT 08:00 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

سيات أتيكا 2020 في مصر رسميًا

GMT 03:29 2019 الثلاثاء ,25 حزيران / يونيو

داليا مصطفى تتعرَّض لعملية نصب وتُحذِّر الفنانين

GMT 08:30 2019 الأحد ,23 حزيران / يونيو

تصميمات "الفيونكة" تزيّن مجوهرات العروس في 2019

GMT 17:44 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

بلاغ ضد هالة صدقي بسبب فيديو "حثالة المجتمع"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon