توقيت القاهرة المحلي 00:06:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين بول الإبل ومجارى إدكو.. يا قلبى لا تحزن

  مصر اليوم -

بين بول الإبل ومجارى إدكو يا قلبى لا تحزن

بقلم - عادل نعمان

ولا أجد سوى ما قاله زعيم الأمة سعد باشا زغلول: «مفيش فايدة»، حتى وإن كذب الناس عليه، حين قالها للسيدة حرمه صفية هانم زغلول، سواء عند خلافه مع عدلى باشا يكن، أو عند فشل مفاوضات الاستقلال مع الإنجليز، أو فى مرضه الأخير حين قدمت له الدواء لحظة الاحتضار، وربما لم يصرح بهذا على الإطلاق.. إلا أننا اعتدنا الفضفضة بها حين نسخر ونتهكم ونوشك على الانفجار، أو يشفق علينا الصبر من كثرة البلاء والغباء، أو يمل ويسأم التكرار والإعادة والمعاودة على الأخطاء والجهل، فيردد ما قاله الزعيم: «مفيش فايدة»، وينصرف عنا غير آسفٍ غير راضٍ غير نادم.
وصور الجهل فى حياتنا لا يختلف القديم منها عن الحديث أو ما بينهما، وهذا عن الأمس القريب فى مدينة إدكو بمحافظة البحيرة، يلتف الصغار والكبار حول بالوعة صرف صحى لأحد المساجد، المياه راكدة عفنة تفوح منها رائحة نتنة، وتطفح على السطح فضلات ومخلفات وروث المترددين، هذه المخلفات يغتسل منها الصغار وسط تحفيز وتحميس الكبار، ويمسح الكبار على رؤوسهم بالفضلات يطلبون اليُمن والبركات وبحبوحة العيش، وتصب الأمهات منها على رؤوس الأولاد، وسط الدعوات أن تُحل عقدة ألسنتهم وأقلامهم فى امتحانات آخر العام، ويجعل قلوب المراقبين عليهم بردًا وسلامًا.

أو يجعل بينهم وبين الأولاد سدًا منيعًا فلا يبصرون الغش وتداول الإجابات، ونسوة جئن من أقصى المدينة يطلبن الستر والصحة وإزالة الهم والكرب ورفع البلاء، وربما دعت إحداهن فى سرّها أن يعود الغائب أو تتزوج العانس أو يُسدد عنها الدين ويعفيها من العقوبة والحبس.. وتختم الدراما حبكتها حين تطل علينا سيدة تقسم لنا أنها قد داخت السبع دوخات حين فقدت حركة القدمين وأصبحت قعيدة الفراش سنين، حتى جاءها الفرج على مياه المجارى المبروكة، وشفيت بفضلها وعادت سليمة تتحرك فى سهولة ويسر، البعض يتندر ويطالب بتنظيم الزيارات للمجارى، والحجز قبلها بأسبوع، وإقامة مجموعة من الفنادق لتنشيط السياحة الشاطئية.

وهذه الصورة (فيما بينهما) كما جاء فى رواية كاتبنا الكبير يحيى حقى «قنديل أم هاشم» صورة من صور الجهل أيضا، والقنديل هو «المصباح الذى يضىء مسجد السيدة زينب»، وكانوا يستخدمون الزيت فى إضاءة المصابيح، ولا ندرى أو نعرف على وجه اليقين متى أصاب هذا الزيت بركة آل البيت!! فتشفى به العيون من الرمد وتقوى من ضعف البصر، إلا أن الأمر كان كارثيا على «فاطمة» بطلة الرواية التى فقدت بصرها بعد أن كان ضعيفا.

كم كان عدد ضحايا الغلابة غير «فاطمة» من استخدام هذا الزيت بديلا لقطرة العين؟.. وكم عميت وأغلقت العيون المبصرة حتى لو كانت تتحسس طريقها بصعوبة؟ ولما حاول الدكتور «إسماعيل» بطل الرواية العائد بعد دراسة طب العيون من أوروبا أن يعالج أبناء الحى من سكان السيدة بالطب والتداوى وحطم القنديل حين أنكر عليهم هذه الخرافة وهذه البدعة، ثار عليه سكان الحى واعتدوا عليه.. صحيح حاول إسماعيل أن يتحايل على الخرافة إلا أنها أقوى وستظل فوق الحقيقة، فهذه شعوب قد أَلِفت التضليل والخداع، وربحت من ورائه متعة الكسل والتنبلة، حتى وصلنا إلى أردأ من زيت القنديل، وأصبحنا نطلب البركة والشفاء والنجاح من بول البنى آدمين.

وتعالوا إلى (صورة الجهل القديمة) وهى بول الإبل، وهو الأمر الوحيد المتفق عليه بين أهل السنة والشيعة، وأجازه مشايخ الطرفين، ونحمد الله على هذا الاتفاق. الغريب أن كل المشايخ يؤكدون أن العلم أثبت نجاح بول الإبل فى علاج الكثير من الأمراض ولم يتقدم أحدهم باسم العالم الذى أكد هذا الاكتشاف، أو المجلة العلمية التى نشرت هذا البحث وأكدت هذا الاختراع العجيب، الذى أصبح يباع فى كثير من دولنا العربية الإسلامية «يباع لتر بول الإبل فى دول النصب بخمسين دولارًا».

منظمة الصحة العالمية تحذر من شرب بول الإبل، إلا أن المنتفعين من «خرافة الطب النبوى» يؤكدون أن النبى، صلى الله عليه وسلم- نصح أفرادا من قبيلة «عرينة وعوكل» حين جاءوا للمدينة فى عام الوفود «واستوخموا الأرض»- أصابهم الكسل وانتفخت بطونهم- بأن يخرجوا إلى الصحراء ليتريضوا ويشربوا من بول الإبل وألبانها، وقد كانت النصيحة النبوية نصيحة عامة معمولا بها عند الجميع، ويتداوى الناس بها، ويتناقلها الناس فيما بينهم لكل من أصابه انتفاخ أو وجع فى البطن.

ولم يكن الرسول فى هذا طبيبا أو معالجا، بل ناصح كغيره، ولم يكن اختراعا خاصا أو تنزيلا من الله بعلاج جديد.. وفيما قيل عن الأمراض التى تشفى ببول الإبل، مرض السكرى، السرطان، التهاب الكبد الوبائى، تخثر الدم.. والأكاذيب كثيرة حول هذا الطب، والمنتفعون بالملايين، والكذابون أكثر.

القاسم المشترك بين صور الجهل من بالوعة كوم حمادة إلى بول الإبل، مرورا بزيت قنديل أم هاشم هو رواج هذه السوق فى بلادنا، على الرغم من النتائج الكارثية الثابتة والمتكررة والموثقة، فلا شُفى مريض، ولا نجح جاهل غبى، ولا فُرِّج عن هم أو كرب، ولا سدد دينا، ولا أبصرت فاطمة يحيى حقى، ولا توقفنا عن ترديد مقولة زعيم الأمة «مفيش فايدة».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين بول الإبل ومجارى إدكو يا قلبى لا تحزن بين بول الإبل ومجارى إدكو يا قلبى لا تحزن



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

GMT 23:09 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

هل يمكن خلق الدولة في لبنان؟

اللون الأسود سيطر على إطلالات ياسمين صبري في عام 2024

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 20:01 2025 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

أنغام تطلق فيديو كليب «تيجي نسيب» بتقنية Dolby Atmos لأول مرة
  مصر اليوم - أنغام تطلق فيديو كليب «تيجي نسيب» بتقنية Dolby Atmos لأول مرة

GMT 09:38 2024 الإثنين ,23 أيلول / سبتمبر

أفضل ماركات العطور النسائية للخريف

GMT 01:24 2018 الخميس ,28 حزيران / يونيو

تذبذب أسعار الدواجن في الأسواق المصريةالخميس

GMT 21:46 2016 الإثنين ,14 آذار/ مارس

تعرَف على جمال مدينة "دهب" جنوب سيناء

GMT 18:21 2024 الثلاثاء ,06 شباط / فبراير

أهمية تناول المكملات الغذائية يومياً

GMT 10:03 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

أفكار تنسيق موديلات عبايات أسود وذهبي للمناسبات

GMT 00:30 2021 الأربعاء ,13 تشرين الأول / أكتوبر

عطل في تطبيق جيميل Gmail والمستخدمون يلجأون لتويتر

GMT 09:01 2021 الأربعاء ,08 أيلول / سبتمبر

ليلى طاهر تعلن اعتزالها التمثيل دون رجعة

GMT 21:32 2021 السبت ,04 أيلول / سبتمبر

أفكار لتنسيق السروال الأبيض في موسم الشتاء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon