توقيت القاهرة المحلي 14:27:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الذكاء الاصطناعي وضرورة التأقلم

  مصر اليوم -

الذكاء الاصطناعي وضرورة التأقلم

بقلم : فهد سليمان الشقيران

في الثلث الأخير من القرن الماضي كتب الفيلسوف مارتن هيدغر سلسلة محاضرات حول مستقبل تعامل الإنسان مع التقنية. وهي محاضرات جُمعت لاحقاً ضمن أعماله الكاملة، وطُبعت منفردة أيضاً. فيها تحدّث عن تحوّل كبير في التقنية سيعلّق عليها فيما بعد كثير من الفلاسفة بوصفها ليست عملاً فلسفياً فحسب وإنما «نبوء ة فلسفية». خلاصة نظريته أن التقنية بدلاً من أن يقودها الإنسان ستكون هي من سيقوده، وستكون محرّكاً أساسياً لوجوده، وسيكون مستلَباً لها، ولذلك وصفها بـ«ميتافيزيقا العصر»، وما شهد هيدغر كل التطوّر الهائل باستثناء اختراع القنبلة الذرّية، ولو كان بيننا ورأى التطوّر التقني الهائل واستمع إلى نبوءات إيلون ماسك حول المستقبل التقني لازداد انبهاراً وتوتراً وخشية.

الاثنين الماضي حضرتُ منتدى «الاتحاد» تحت عنوان: «الذكاء الاصطناعي قاطرة التنمية المستدامة» وقد ذُهلت من المستقبل الذي ينتظر البشرية بعد سماع محاضرات المتخصصين، مع هذه الموجة، ثمة تغييرات كبرى ستجري، الآن الحروب لم تعد عسكرية بالمسدسات والدبابات وإنما هي حروب تقنية وتكنولوجية وسيبرانية، مَن سيتفوق تقنياً سيكون المهيمن. وأتفق مع الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في كلمته المهمة والفاحصة حول الموضوع، حيث أشار إلى ضرورة الالتفات والتركيز على الذكاء الاصطناعي بوصفه موضوع العصر الراهن، والأهم تركيزه على ضرورة مراعاة الجوانب الأخلاقية في ظلّ هذه الموجة التي بدأت بواكيرها الآن، وستكون أكثر جلاءً في المستقبل القريب.

لو تأملنا الدول المتفوّقة في العالم لرأينا كيف يصبّون جُلّ اهتمامهم على التطوّر العلمي الذي أثمر التطوّر التقني الذي ولّد الذكاء الاصطناعي بكل قوةٍ ومواكبةٍ واندفاع.

وأعود لقول الشيخ نهيان حين أكد ضرورة أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي آمنةً، لا يمكن اختراقها أو التلاعب بها، وملتزمة تماماً معايير ومستويات واضحة مُتفقاً عليها، للعمل والأداء -يضيف- «نريد أن نتأكد دائماً من وجود أساليب فعالة للحماية من المخاطر المحتملة لهذه التقنيات». ثم طرح كثيراً من الأسئلة المهمة في هذا السياق، هي: كيف يمكن إعداد الإنسان للعمل والحياة في عصر الآلات الذكية؟ كيف يمكن التعامل مع الآثار السلبية المتوقعة وغير المتوقعة لتقنيات الذكاء الاصطناعي؟ كيف يمكن تعليم وتوعية مستخدمي هذه التقنيات بالمخاطر المحتملة لها، وسُبل التعامل الفعَّال معها؟ ثم كيف يمكن العمل مع المبرمجين ومطوري هذه التقنيات من أجل أن تكون هذه التقنيات وسيلة لتعميق المعرفة والتفاهم والحوار بين البشر، ولتحقيق المساواة في التنمية بين دول العالم وسكانه، وبما يسهم في بناء مجتمعات بشرية: صالحة، ومنتجة، ومسالمة، في كل مكان؟ باختصار شديد، كيف تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي تقنيات مسؤولة وآمنة تخدم المجتمع والإنسان، في كل مكان؟

الخلاصة أن هذا المجال بات راهناً ومن الضروري الاستجابة له والتعامل معه ولكن ضمن سياسات مرسومة ودقيقة وضمن قوانين وأسس واضحة. الأفكار التقنية لا بد أن تُربط بقوانين وسياسات ومعايير أخلاقية صارمة، لا يمكن عزل الإنسان عن المجال التقني الذي يحيط به، نحن شئنا أم أبينا أصبحنا تحت سيطرة التقنية التي ملأت وجودنا، استغنى الإنسان عن الإنسان بوجود الأجهزة الذكيّة، واستغنت الدول عن الدبابات بوجود الاختراق السيبراني، والتفوّق التكنولوجي. والذكاء الاصطناعي مفيد حين ننظمه ونتعامل معه ضمن برامج محكمة، وبما لا يلغي علاقة البشر بعضهم ببعض، وأن نحرص على عدم تحقق نبوءة هيدغر حين حذّر من استلاب الإنسان للتقنية على حساب حريّته ونقاء وجوده. لا يمكننا صدّ موج التقنية بمجداف، ولكن علينا صناعة نمط علمي جاد لمواكبة التقدّم العلمي والاستفادة منه وتوظيفه لصالح البشرية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذكاء الاصطناعي وضرورة التأقلم الذكاء الاصطناعي وضرورة التأقلم



GMT 09:09 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

صوت الذهب... وعقود الأدب

GMT 09:05 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أولويات ترمب الخارجية تتقدّمها القضية الفلسطينية!

GMT 09:04 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

التسمم بالرصاص وانخفاض ذكاء الطفل

GMT 09:03 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

عن تكريم الأستاذ الغُنيم خواطر أخرى

GMT 09:02 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الجائزة الكبرى المأمولة

GMT 09:00 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

تنظيم «الإخوان» ومعادلة «الحرية أو الطوفان»

GMT 08:54 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

لأميركا وجهان... وهذا وجهها المضيء

GMT 08:53 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أنا «ماشي» أنا!.. كيف تسلل إلى المهرجان العريق؟

إطلالات هند صبري مصدر إلهام للمرأة العصرية الأنيقة

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 09:22 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

قرية بورميو الإيطالية المكان المثالي للرياضات الشتوية
  مصر اليوم - قرية بورميو الإيطالية المكان المثالي للرياضات الشتوية

GMT 09:31 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الزرع الصناعي يضيف قيمة لديكور المنزل دون عناية مستمرة
  مصر اليوم - الزرع الصناعي يضيف قيمة لديكور المنزل دون عناية مستمرة

GMT 10:54 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الفستق يتمتع بتأثير إيجابي على صحة العين ويحافظ على البصر
  مصر اليوم - الفستق يتمتع بتأثير إيجابي على صحة العين ويحافظ على البصر

GMT 15:05 2024 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

شيرين رضا خارج السباق الرمضاني 2025 للعام الثالث علي التوالي
  مصر اليوم - شيرين رضا خارج السباق الرمضاني 2025 للعام الثالث علي التوالي

GMT 10:18 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

"نيسان" تحتفي بـ40 عامًا من التميّز في مهرجان "نيسمو" الـ25
  مصر اليوم - نيسان تحتفي بـ40 عامًا من التميّز في مهرجان نيسمو الـ25

GMT 08:11 2024 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

وجهات سياحية مميزة توفر متعة التزلج في فصل الشتاء

GMT 16:32 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

والدة الفنان المصري عمر كمال تكشف موقفها من عمله

GMT 09:42 2020 الأحد ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على قائمة الإجازات الرسمية 2021 في مصر

GMT 02:51 2020 الجمعة ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة لاعب الأهلي المصري محمد أشرف بكورونا

GMT 20:23 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

طوارئ في قرية في محافظة قنا بسبب كورونا

GMT 18:31 2020 الإثنين ,28 أيلول / سبتمبر

مورينيو يوضح إصابة سون هي الأولى فقط المزيد قادم

GMT 09:49 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

جيونبك يعزز موقعه في وصافة الدوري الكوري
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon