بقلم :د. محمود خليل
فى فيلم خلى بالك من جيرانك مشهد هزلى كوميدى يظهر فيه فؤاد المهندس وهو يجلس مع أسرة جاره (زوجته وحماته) يحدثهم عن فكرة واتته برسم لوحة يظهر فيها أحد الأشخاص وخلف «قفاه» تقبع تلال الهموم والمشكلات التى يعانى منها، ثم سأل حماة جاره: تعرفى يا هانم البطل الحقيقى فى اللوحة دى مين؟ فأجابته «الشخص الذى يعانى»، فرد عليها بحسم: لأ.. البطل الحقيقى هو القفا.
فكرة «القفا هو البطل» ظلت تتنقل من عام إلى عام ومن جيل إلى جيل حتى وصلت إلى صاحب مهرجان «شيماء» الذى أفاض لمواقع الإعلام فى شرح فكرة مهرجانه وكيف أجهد عقله وقدح زناد فكره حتى وصل إليها، وخلص فى النهاية إلى أن البطل الحقيقى فى المهرجان هو «البطة» وليس «شيماء». الشاب كان صريحاً فى وصف ما يقوم به، فهو يريد الإضحاك والتهريج، والتهريج كلمة ذات صلة بكلمتى مهرجان ومهرج.
إفيه «القفا هو البطل» جاء طبيعياً فى سياق فيلم خلى بالك من جيرانك، الذى أنتج عام 1979، وهو العام الذى شهد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وقد دخلنا بعده فى زمن أصبحت البطولة بالفعل للقفا والقفوات، فى محاولة لفرض الأفكار والتوجهات القفوية على الجمهور، ونشر نوع من الثقافة يمكن وصفها بثقافة القفا.
«ثقافة القفا» ببساطة هى الثقافة التى تعتمد على التفكير بالقفا وليس بالعقل، وتكتسب الكثير من خصائصها منه، فنتاجها مسطح، ويستاهل الستر بسبب تفاهته، ويعبر عن نوع من الجهل والتجهيل، وهو مختوم بختم التخلف والانخلاع من العصر، تماماً مثل «القفا». والنتيجة الطبيعية لانتشار هذا النوع من الثقافة أن يتفوق «الذكاء البطاوى» الذى يعد صاحب مهرجان «شيماء» نموذجاً عليه على أى نوع آخر من الذكاء، بما فى ذلك «الذكاء الاصطناعى»!
انتشار «ثقافة القفا» يعتمد على خلق وهم عام بأنها تتمتع بشعبية وأن «الجمهور عاوز كده»، وهو كلام غير صحيح، لأن 2 مليون باحث عن «البطة» لا يمثلون رقماً بين شعب يزيد تعداده على 100 مليون نسمة، كما أن «الترافيك» يمكن شراؤه، والروبوتس تعمل على قدم وساق على مواقع التواصل الاجتماعية لرفع قيمة منتجات معدومة القيمة، إنها لعبة أو صناعة -سمها ما شئت- هدفها إيهام الرأى العام بأن التافه هو المطلوب والمرغوب، وأن ظروفك كده، وعليك تقبلها.
اللافت أن لعبة صناعة الشعبية وخلق الأوهام العامة يعتمد فى جانب منه على برمجيات «الذكاء الاصطناعى»، وهى برامج تنتجها المجتمعات النظيفة من الذكاء البطاوى لتسوقها فى المجتمعات التى تستهدف نشر هذا النوع من التفكير بين أفرادها.
صعود «القفا» و«القفوات» فى حياتنا قديم يعود لعدة عقود سابقة، وقد ارتبط بمرحلة تحول استهدف من يقف وراءها نحر الفن والثقافة والفكر والعلم فى بر مصر، بهدف تسييل وتفريغ عقول الأجيال الجديدة، ووقف نموها الفكرى والعلمى والوجدانى، بصورة تعجز معها عن رفع رأسها فى واقع عالمى بات جوهره البحث عن التميز حتى ولو وجد بين نسبة لا تزيد على 20% من البشر وتسليم البقية لحظيرة البط!