بقلم: د. محمود خليل
تبدو الأمور هادئة وتحت السيطرة حتى آخر لحظة يبدأ معها الانفجار. كان «خالد» يجلس هادئاً يقرأ عن «محمد على» الذى دانت له البلاد والعباد بعد الجهد الذى بذله فى ترسيخ حكمه فى كل شبر من أرض المحروسة، ليهدأ على كرسيه سنين عدداً بلغت العقد الكامل، حتى فوجئ بلحظة خطيرة بات ملكه فيها مهدداً. كان الوالى قد عاد لتوه من الحجاز، ويبدو أنه خلا إلى نفسه فى الأراضى المقدسة وقرر أن ينهج سياسة جديدة ويتبع نظاماً مختلفاً فى سياسة الجند، وطلب من العساكر الدلاة والأرناؤط والمغاربة والعربان وغيرهم تنظيم استعراض كبير فى ميادين القاهرة، فاستجابوا للوالى واستعرضوا قدراتهم فى الضرب بالرمح والرمى بالرصاص، واضطربت القاهرة أشد الاضطراب بما يفعلون، وسرت شائعة بأن «محمد على» قصد من هذا الاستعراض ترتيب جنده على نظام جديد يماثل نظم العمل بالجيوش الإفرنجية (الغربية)، أحس عساكر الوالى بالخطر فقرروا التمرّد عليه وتناجى قادتهم بذلك ووضعوا خطة ملخصها الهجوم فجراً على دار «محمد على» بالأزبكية وقتله، ووصل الخبر إلى محمد على، ففر من قصره بالأزبكية، فعلم العساكر أنه أفلت منهم، وأنهم مأخوذون فى ما بعد بمؤامرتهم، فثارت ثائرتهم، وصبوا نار غضبهم على الأهالى، فكسروا أبواب الدكاكين المغلقة ونهبوا ما فيها، وانضم إليهم المنسر والشطار والزعر وبعض فقراء العوام، واضطربت أحياء القاهرة وزُلزلت زلزالاً شديداً.
أخذت «خالد» سنة من غفلة وهو يقرأ فسقط الكتاب من يده، فشعر بأنه يلتقطه من جديد، وأخذ يفرك عينيه ويقرأ «وصرخت الأهالى: تمرد.. تمرد»، سقط الكتاب من يده ثانية، ثم أخذ لسانه يصرخ مع الأهالى: «تمرد.. تمرد». خرجت «نادية» من غرفتها مفزوعة، وأخذت تهزه كما تعودت، وهو يرد عليها قائلاً:
- خالد: فيه إيه؟.. أنا مش نايم!.
- نادية (بغضب): يا دى النيلة.. ما كنت بطلت قراية فى التاريخ واستريحنا م الهم ده.
- خالد: فيه إيه؟
- نادية (ساخرة): تمرد.. حصل تمرد يا سيدى.
- خالد: أيوه عساكر الوالى اتمردت عليه بسبب إشاعة بتقول .......
- نادية (مقاطعة): انت هتسمّع لى الكتاب.. ارحمنى.
مفاجأة وقعت لحكم «مبارك» الذى بدأ بزلزال اغتيال السادات عام 1981، وظل آمناً مطمئناً 5 سنوات كاملة، والعجيب أن المفاجأة جاءت من حيث لا يحتسب أكثر أهل ذلك الزمان تشاؤماً، حين وقع تمرد الأمن المركزى 1986، اهتزت أحلام الأحمدى بعنف ومعها أعضاء المجلس الموقر، ومن ورائها ترنحت «نادية»، ولأول مرة تواجه «خالد» زوجها بهذا الكم من الغضب. ثارت فى وجهه واتهمته بأنه إما أن يكون جزءاً مما يحدث، أو إنساناً شؤماً على من حوله. لم تصدق أن ما يلوكه لسانه وهو يقرأ كتب التاريخ هذيان، فكيف تصدق صرخته فى كل مرة بهذه الصورة؟ ولأول مرة منذ أن تزوجها يجد «خالد» يده تنزل على وجه «نادية» فى صفعة مدوية، صرخت معها صرخة، أفزعت أسامة وعبدالعظيم من نومهما فخرجا يهرولان إلى أمهما وأبيهما. نظر «خالد» إلى ولديه وهما يحتضنان أمهما ويهدئان من روعها ويكفكفان دمعها بلا اكتراث، وتركهما ونزل.
أخذ يتجول فى الشارع، وعند الساعة الخامسة دوت الأصوات معلنة بدء حظر التجول الذى أعلنت عنه الحكومة، لم يهتم أغلب من فى الشارع، بمن فيهم خالد بالصرخات الداعية للعودة إلى البيوت، وواصل كلٌّ السير فى الطريق الذى بدأه. جرب أهل الخليفة حظر التجول أيام 18 و19 يناير عام 1977، ويعلمون أن الحظر لا ينطبق على الأحياء المغلقة بالكتل البشرية، فمثل هذه الأماكن لا تستحق بذل أى مجهود. المهم فى مثل هذه الأحوال الأماكن الحساسة. جلس على مقهى صغير منزوٍ أمام مقر عمله بمتحف جاير أندرسون، وسرح طويلاً وهو يشخص ببصره إلى سور مسجد «ابن طولون» ومنه إلى «المدنة» العالية، تخيل فجأة أحلام الأحمدى وهى ترقص بحرفية بالغة فوق سنام هلالها، أخذ يناجى نفسه: «نعم إنها أحلام الأحمدى». خرج من بحر التيه فجأة على صوت يُكرر ما يقوله: «نعم أحلام الأحمدى.. حرقوا عمارة وثلاث مدارس تملكها بنت الخليفة فى حى الهرم.. وما خفى أعظم». كان الصوت لرجل يتحدث إلى رفيقه الجالس إلى جواره على المقهى.