بقلم: عبد المنعم سعيد
لست خبيرا فى التعليم، ومشاركتى فى العملية التعليمية جامعية فى الأساس، ولا تتعدى مواد بعينها فى العلوم السياسية والعلاقات الدولية وداخل مصر وخارجها. خبراتى منذ الطفولة وحتى الجامعة كانت إيجابية للغاية واكتشفت ذلك عندما ذهبت إلى الولايات المتحدة للدراسات العليا عندما وجدت نفسى فى نفس المستوى من الزملاء الأمريكيين والدول الأخرى. كان الفضل فى تعليمى راجعا إلى كُتّاب الشيخ عمر، وجمعية تحفيظ القرآن فى الباجور، ومدرسة حميدة الابتدائية فى الباجور أيضا، ومدرسة الرشاد الابتدائية فى سوهاج، ومدرسة الباجور الإعدادية والثانوية، ثم كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة. ولكن ربما كنت آخر الأجيال المصرية التى عرفت المدارس الفسيحة، والتى تعرف الملاعب والمعامل والأنشطة الفكرية، والأساتذة المعلمين والملهمين، الوطنيين، الذين مثل الجواهرجية يعرفون فحص من سيكونون مستقبل الوطن. الآن بعد أكثر من نصف قرن من كل ذلك أصبحت المسألة التعليمية مختلفة عن كل ما سبق؛ وكانت بداية الاكتشاف مع الأبناء عندما جاء وقتهم، أن التعليم العام لم يعد صالحا لإنتاج من سوف يذهب إلى الولايات المتحدة للدراسة، وإنما أيضا من سيكون له مكان فى سوق عمل جدى. وقتها برز ما عرف بمدارس اللغات التى تعددت أنواعها وتكاليفها، وعندما جاء الأحفاد بات واضحا أن ملاحقة الجدود فى مستوياتهم التعليمية تحتاج المزيد من الإنفاق فى المدارس الدولية أو ما هو قريب منها وإن اختلفت التكلفة. ما بات أكثر صعوبة هو الاختلاط مع الخريجين الجامعيين؛ وما بات جاريا فى «خلاط» الثانوية العامة الذى يبدأ من فترة امتحانات كانت الصحف جميعها تقول لسبب غير مفهوم إنها تأتى فى مستوى الطالب «المتوسط»!.
مع الخبرة والتجربة والنضج وباختصار السن كان ذلك «إدارة الفقر التعليمية» المنبثقة من فلسفة عامة تسود المجتمع والدولة وتقوم على إدارة الفقر وليس تجاوزه والانتصار عليه فى بلد غنى ومتقدم وقوى. بات واضحا لى أن هناك ثلاثة قوانين تاريخية كبلت مصر ومنعت صحوات السعى نحو التقدم مقيدة ومكبلة بفكر مقيد. أولها كان الإصلاح الزراعى الذى انتهى إلى تفتيت الملكية بفعل التوريث تبعا للشريعة بحيث انتهت الزراعة وحلت محلها الخرسانة فكانت الأزمة الغذائية وما تلاها.
.. وثانيها كان قانون العقارات الذى قيد الإيجارات فانتهت العقارات وجرى التحايل عليها بالبناء للتمليك وغيره من الوسائل، فانتهى الأمر إلى أكثر من ١٠ ملايين وحدة سكنية غير مسكونة. وثالثها كان مجانية التعليم، ولمّا لا يوجد هناك أمر أو نشاط دون إنفاق فإن العبء كله ذهب إلى الدولة التى بات عليها تحمل تكاليف متصاعدة لا قدرة فى ميزانيتها على تحملها. مع الزيادة السكانية بدأت الحلول التى جعلت المدارس تعمل لأكثر من فترة دراسية، مع اختصار زمن الفترة بإلغاء التدريس والمعرفة الخاصة بالفنون والتجارب المعملية، وبناء الفصول فى الملاعب الرياضية. ومع زيادة الضغط على المدرسين انخفض مستواهم الذى كان منخفضا أصلا نتيجة التعلم فى كليات التربية التى كانت فى أدنى درجات سلم خريجى الثانوية العامة. وباختصار انخفضت المكانة الاجتماعية للمدرس الذى كنا نقف له تبجيلا طالما «كاد المعلم أن يكون رسولا»!.
أصبح التعليم حلقة من حلقات الاستراتيجية العامة فى الدولة لإدارة الفقر وإرضاء الفقراء و«الغلابة» فيكون الكم وليس الكيف هو محور العملية التعليمية، ويكون سد الخانات عن طريق تزوير الدرجات حتى حصلت طائفة على ١٠٥٪ من الدرجات، ولا تدهش بعدها من الرسوب فى الجامعة. أصبح الغش بوسائل صارخة تقوم على التواطؤ الجماعى على صناعة تلاميذ «مغشوشة»؛ وباختصار حلت «الشهادة» مكان العلم والمهمة التى سوف يقوم بها الطالب فى المجتمع. اختفت المُهمة الوطنية التى تجيب عن السؤال لماذا يتعلم الناس؟ وما هى احتياجات الوطن للفوز فى سباق التقدم مع الأمم الأخرى؟.. كانت هناك دروس كثيرة عن مركزية التعليم فى الدول المتقدمة أو السائرة فى طريق التقدم؛ ولكن ترجمة ذلك لم تزد على زيادة الإنفاق الحكومى وهو ما أكدت عليه لجنة دستور ٢٠١٤ التى وضعت نسبة مالية من الناتج المحلى الإجمالى للتعليم والصحة وليس الميزانية العامة للدولة. وكما هى العادة كان «المحتوى» غائبا للعملية التعليمية كما هو حادث فى الكثير من الحالات الأخرى.
خلال السنوات العشر الأخيرة تغير الحال فى مصر، وتدريجيا تعلمت الدولة أن الدول لا تتقدم بإدارة الفقر وإنما بإدارة الثروة وهو ما خلق دفعة كبيرة لزيادة الأصول الوطنية وتهيئتها لعملية تنمية مستدامة. ولكن هناك دائما مشاكل عظمى عندما يجرى الانتقال من نموذج لإدارة الدولة إلى نموذج آخر. وفى كثير من الأحيان يكون هناك اضطراب فى الدولة ذاتها حينما تدير الأجهزة النموذج الجديد بأساليب إدارة النموذج القديم. وأحيانا يكون هناك جهل كبير بأن انتقالا حدث بين هذا وذاك؛ فالظن كثيرا ما يكون أن الحديث عن الجديد ما هو إلا «سياسة» أو «بوليتيكا»، وفى حقيقة الأمر أن كل شىء سوف يبقى على ما هو عليه، ويهمس الناس فيما بينهم «أليس هذا ما تعودنا عليه»!. وأحيانا ثالثة فإن الاعتقاد يكون ذائعا أن كل ما هو جديد هو مغامرة غير محمودة العواقب، وأن من يسعون إليه ينبغى لهم أن يكونوا أكثر حكمة ويرجعوا إلى ما تواضع عليه آباؤنا وأجدادنا، وكفى المؤمنين شر القتال.
وكان ذلك هو ما حدث عندما تولى د. طارق شوقى مهمة تطوير التعليم فى مصر، وهو ما شرع فيه استنادا إلى تجارب الدول التى سبقتنا، ومنها إلى إنشاء «بنك المعرفة» الذى يخلق النبع الذى سوف تغرف منه الأجيال المقبلة. ولا يجادل عاقل فى أن عملية التغيير كانت مؤلمة؛ ولكن ذلك هو الحال فى كل المجالات الأخرى التى جرى فيها اختراق التغيير الحقيقى والعميق إلى آفاق مُكلفة. وفى مجال التعليم كانت المعارضة صريحة ومدوية ودخلت إلى المجالس التشريعية حيث طالب الجميع بالتراجع إلى ما كنا عليه بحيث يتم «تخفيف الأحمال» على الطالب والأسرة. أصبحت هذه هى فلسفة التعليم حيث «الشهادات» وليس «المعرفة والخبرة والاستعداد للمنافسة». عدنا مرة أخرى إلى المرحلة التى كنا عندها، ولكن بعضا من العلاج جاء بالسماح لتجارب دول أخرى- المدارس اليابانية- لكى تساهم فى بناء جزء من نخبة مصرية جديدة وانتقائية تضاف إلى المدارس «الدولية» التى سوف تنمى جزءا آخر. المعضلة فى هذه الأجزاء أنها لا تنتمى إلى المشروع الوطنى لتقدم مصر ولذا فإنها ما إن تنتهى من التعليم فإن مصيرها يكون فى خدمة دول أخرى. ما قرأته عن الخطة الراهنة لم يكن سارا، كان مرة أخرى عن تخفيف الأحمال، وإزالة المواد المتعبة، وإجراء تباديل وتوافيق فى المواد التى تضاف للمجموع أو لا تضاف. بصراحة ما هو التلميذ الذى سوف ننتجه فى نهاية هذه العملية؟ وهل سوف يكون جزءا من العالم القادم؟.