توقيت القاهرة المحلي 15:42:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل ننتقل من نظريّة القوّة إلى ممارسة السياسة؟

  مصر اليوم -

هل ننتقل من نظريّة القوّة إلى ممارسة السياسة

بقلم - حازم صاغية

في مواجهة إسرائيل التي تخبط خبط عشواء، غير عابئة بشيء، ومتسلّحة بتفوّق تقنيّ قاتل وبدعم عالميّ هائل في حجمه وانحيازه، فإنّ الشعار الوحيد الذي ينبغي عدم رفعه هو تحديداً الشعار الذي نرفعه: «إنّ العدوّ لا يفهم غير لغة القوّة».

ذاك أنّنا لا نملك «القوّة» حتّى لو صحّ الشعار المذكور. لا بل إنّ القوّة هي أكثر ما ينبغي علينا تحييده واستبعاده لأنّها مُلك إسرائيل في المنطقة، لا مُلكنا. فما يوجبه العقل في مواجهة آلة القتل الإسرائيليّة هو الالتفاف على القوّة ومحاولة تطويقها بالسياسة وبالمقاومة المدنيّة وبالنموذج الأفضل وبالرهان على التراكم. أمّا الذين ينتظرون نتائج سريعة يظنّون أنّ القوّة توفّرها لهم فعليهم بالالتفات إلى توازنات القوى البائسة الراهنة، وإلى أنّ استخدامنا للقوّة كان دائماً يضاعف الإخلال في توازنات القوى، لكنّه يضاعفها لصالح الإسرائيليّين.

صحيح أنّ الانفعال يُغري المنفعل بأن يتمسّك بالنموذج المعمول به، أي بالقوّة، وصحيح أنّ مقاومة إغراء القوّة في ظلّ هذه الفظاعة الإسرائيليّة المتمادية مهمّة صعبة. لكنّ العقل والمعرفة والتجربة ينبغي أن تغري صاحبها بالانسحاب من القوّة مرّةً وإلى الأبد. فلا يكفي نجاح «طوفان الأقصى» للتعويل على القوّة، على ما هو دارج اليوم، لأنّ 11 سبتمبر (أيلول) لم يكن أقلّ إبهاراً ونجاحاً. كذلك لا يكفي السلاح الإيرانيّ لأنّه لن يكون، في آخر المطاف، ندّاً للسلاح الأميركيّ.

والتحذير من التعويل على القوّة دافعُه الحرص على أهل غزّة وعلينا جميعاً في هذه المنطقة عديمة القوّة. وهذا ليس، كما قد يقول بعض السخفاء، نكئاً في غير أوانه في جراح الضحايا، بل هو نكء في أوانه في جراح تاريخنا الذي لا بدّ من مراجعته من دون انقطاع. فدائماً كان هوَج لا عقلانيّ يقودنا في طلبنا للحقّ، ودائماً كان ثمّة طرف خارجيّ مشكوك بأغراضه يستثمر في جموحنا وهوجنا. وبمعزل عن النوايا الطيّبة، قد لا يكون الهوج، بقياس الضحايا والأكلاف، أقلّ أذى من الشرّ الإسرائيليّ ذاته.

وكم هو غنيّ الدلالة اليوم أنّ الفلسطينيّين، عند بحثهم عمّن يعرض قضيّتهم، لا يجدون سياسيّاً واحداً بين مقاتليهم، بل يعثرون على السياسيّين في كوادر «السلطة العميلة في رام الله» بسفرائها ومثقّفيها، وهذا بينما يُقدّر لردّات الفعل المحتجّة على قصف المستشفى المعمدانيّ أن تكون أفعل من صواريخ «حماس»، وربّما أقدر على تعديل القرار العسكريّ الإسرائيليّ.

فالموت والدمار النازلان بغزّة وبأطفالها يحضّان على الانتقال المُلحّ من مسار القوّة إلى مسار السياسة، أي تحديداً: المطالبة بوقف الحرب وتعبيد طرق الإغاثة الإنسانيّة ووقف التهجير وتحرير الرهائن، ومن ثمّ التمهيد لانتخابات تُفرز هيئات شرعيّة تنطق بلسان السكّان وتدافع عن حقوقهم، مع العمل دائماً على استعادة الوحدة الفلسطينيّة التي أودت بها «حماس» في 2007.

فمن دون دول محترمة وهيئات منتخبة يصعب أن يتحقّق شيء جدّيّ. وهل من المعقول، بعد حصول ما حصل، إبقاء السكّان تحت رحمة تنظيم عسكريّ يجوز التشكيك بمدى تمثيله الشعبيّ، تنظيمٍ يستطيع جرّ أولئك السكّان ساعة يشاء إلى المقصلة، ولسبب لا يناقشه أحد فيه. والأسوأ أنّنا نجد أنفسنا مطالَبين بمبايعة هذا التنظيم والحماسة لأفعاله كي لا نُتّهم بالخيانة.

وهي حالة تتعدّى غزّة، إذ هل يجوز في لبنان مثلاً أن نعيش على أحجية هل ندخل الحرب أو لا ندخلها، بناء على قرار لا نعرف إذا كان سيصدر من ضاحية بيروت الجنوبيّة أم من طهران، وليس لنا أن نسائل القرار الذي يُعتمَد لمجرّد أنّ صاحبه ارتأى أن يقاتل؟

والحال أنّ تاريخنا الحديث هو، بمعنى ما، تاريخ التقلّب على جمر كارثتين هما الطرف المسلّح المفروض على السكّان والضربات الإسرائيليّة المسعورة. وأمام هذين الحدّين لا نملك إلاّ العجز أو الحماسة، ومعهما الافتقار إلى أيّة أداة تستطيع التدخّل في وضع عدميّ واستقطابيّ كهذا!

وهي حال لن يُخرجنا منها إلاّ مباشرة الانتقال من القوّة والعنف إلى السياسة والنموذج. أمّا العلاجات التي يقترحها علينا الغضب، وكلّنا من حقّنا أن نغضب، فتأتي بكوارث أكبر وبإنجازات أقلّ. يصحّ هذا على مستويات عدّة من إلغاء قمّة عمّان إلى مقاطعة معرض فرانكفورت. فإذا أمكن فهم سياسات الإلغاء والمقاطعة كاحتجاج على الانحياز واللاعدل، يبقى أنّ تكريسها وتحويلها نهجاً لن يأتينا بأحسن ممّا أتانا في الماضي. ذاك أنّ القويّ هو الذي يؤثّر إذا اعتكف وقاطع، أمّا الضعيف فعليه، حتّى يؤثّر، أن يطوّر سياسات مؤثّرة تطوّق قوّة القويّ أو تُحرجها.

وبدورها فصرخات توسيع الحرب وفتح الحدود ممّا تردّده التظاهرات لا أكثر من مداواة بجرعات أكبر من الداء نفسه. فهي تعطي إسرائيل مجدّداً صورة المحاصَر المعتدى عليه، وتفجّر نزاعات أهليّة على الطريق، أقلّه في لبنان والأردن، وقد تنهي البلدين، كما تردّ الفلسطينيّين كلّهم إلى ما قبل حصولهم على سلطة وطنيّة مهما بدت تلك السلطة هزيلة، تاركة إيّانا أمام السؤال المعلّق: ماذا بعد توسيع رقعة الحرب؟

لقد شبعنا من اكتشاف أنّ «العالم غير عادل» ومن أنّ «إسرائيل وأميركا كشفتا وجههما الحقيقيّ». لكنْ آن الأوان أن نكتشف، نحن الذين يجعلنا ضعفنا أصفاراً في هذا الكون، كيف نحمي أطفالنا، في هذا العالم الظالم، من الموت على أيدي الإسرائيليّين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل ننتقل من نظريّة القوّة إلى ممارسة السياسة هل ننتقل من نظريّة القوّة إلى ممارسة السياسة



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

GMT 23:09 2024 الأحد ,06 تشرين الأول / أكتوبر

هل يمكن خلق الدولة في لبنان؟

اللون الأسود سيطر على إطلالات ياسمين صبري في عام 2024

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 09:42 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

أفكار هدايا لتقديمها لعشاق الموضة
  مصر اليوم - أفكار هدايا لتقديمها لعشاق الموضة

GMT 10:08 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

وجهات سياحية مناسبة للعائلات في بداية العام الجديد
  مصر اليوم - وجهات سياحية مناسبة للعائلات في بداية العام الجديد

GMT 09:50 2025 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

نصائح بسيطة لإختيار إضاءة غرف المنزل
  مصر اليوم - نصائح بسيطة لإختيار إضاءة غرف المنزل

GMT 13:18 2025 الأحد ,05 كانون الثاني / يناير

تامر حسني يكشف حقيقة عودته لبسمة بوسيل ويصدم الجمهور
  مصر اليوم - تامر حسني يكشف حقيقة عودته لبسمة بوسيل ويصدم الجمهور

GMT 14:55 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

التفرد والعناد يؤديان حتماً إلى عواقب وخيمة

GMT 07:29 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

ارمينيا بيليفيلد يصعد إلى الدوري الألماني

GMT 13:03 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

"فولكس فاغن" تستعرض تفاصيل سيارتها الجديدة "بولو 6 "

GMT 18:07 2017 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

المنتخب الإيطالي يتأهب لاستغلال الفرصة الأخيرة

GMT 07:24 2024 الخميس ,19 أيلول / سبتمبر

دراسة توضح علاقة القهوة بأمراض القلب

GMT 22:13 2024 الجمعة ,07 حزيران / يونيو

بسبب خلل كيا تستدعي أكثر من 462 ألف سيارة

GMT 00:02 2023 الجمعة ,20 كانون الثاني / يناير

مبيعات فولكس فاغن تتجاوز نصف مليون سيارة في 2022

GMT 08:36 2021 الخميس ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أيتن عامر تحذر من المسلسل الكوري «squid games»

GMT 20:44 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

شيرين رضا تتعرض للخيانة الزوجية من صديقتها المقربة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon