توقيت القاهرة المحلي 10:16:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خيار الفاتيكان القادم: الكرازة أم التعاليم؟

  مصر اليوم -

خيار الفاتيكان القادم الكرازة أم التعاليم

بقلم : أمير طاهري

عام 2013، عندما جرى انتخاب كاردينال غير معروف من الأرجنتين ليصبح بابا الكنيسة الكاثوليكية، واتخذ لقب «فرنسيس»، تساءل الكثيرون عن الاتجاه الذي سيسلكه في أثر القديس بطرس. جاء هذا الانتخاب بمثابة مفاجأة، في أعقاب القرار غير المسبوق للبابا بنديكت السادس عشر بالتنازل عن الكرسي الرسولي. كان بنديكت، وهو ألماني، قد عُرف بأنه «بابا محافظ»، يركز على العقيدة في إطار ما أسماه «زمن الاضطرابات».

كان ذلك في وقت كانت فيه العولمة في صعود، بينما بدت الأديان جميعها وكأنها في موقع الدفاع عن نفسها، في مواجهة قوى سياسية وثقافية تدعو إلى التعددية الثقافية والعلمانية.

وفي كتابه «الأمل في زمن الاضطرابات»، تحدَّث بنديكت عن «الخرافات الثلاث» التي تهدِّد البشرية: العلم، والتقدم والحرية، التي تحوَّلت إلى قيم مطلقة تزعم أن بمقدورها أن تحلَّ محلَ الإيمان الديني. (وقدمت مراجعة للكتاب بصحيفة «الشرق الأوسط»).

وبمجرد انتخابه، أظهر البابا فرنسيس أنه يقع في الطرف الآخر من الطيف مقارنة ببنديكت، من حيث رؤيتيهما للعالم. وفي الوقت الذي انصرف فيه بنديكت عن السياسة اليومية، وركز على جوهر العقيدة الإيمانية، حسب رؤيته، والتي عبَّر عنها بوضوح في كتابه الآخر «يسوع الناصرة». (قدمت مراجعة لهذا الكتاب ـ كذلك ـ في «الشرق الأوسط»).

وبوصفه أول راهب يسوعي يجلس على كرسي البابوية، لم يكن من المفاجئ أن يؤكد البابا فرنسيس على رسالته التبشيرية بوصفه «جندياً للمسيح»، وركَّز على جذب أكبر جمهور ممكن للكنيسة الكاثوليكية، بدلاً من الدفاع عن الشكل الصارم للعقيدة في عصر النسبية الثقافية.

وعندما وضعت الحرب الباردة أوزارها بانهيار الإمبراطورية السوفياتية، كان يوحنا بولس الثاني من بين المنتصرين في التاريخ، وجرى التغاضي عن توجهاته العقائدية المحافظة.

في المقابل، ركز بنديكت السادس عشر، عالِم اللاهوت بتكوينه وطبعه، على القضايا العقائدية، في محاولة شجاعة لإنقاذ الكنيسة الكاثوليكية من ويلات الصوابية السياسية، واليقظوية، والتعددية الثقافية. ونتيجة لذلك، لم يرحِّب به كثير من الكاثوليك، بينما عدّه غير الكاثوليك رجعياً.

اختار فرنسيس أن ينظر إلى يوحنا بولس الثاني نموذجاً يحتذي به، لا إلى بنديكت، لكن الفارق أن يوحنا بولس الثاني كان بابا سياسي النزعة يميل إلى اليمين، بينما اتضح أن فرنسيس يميل إلى اليسار. وشجِّع هذا بعض منتقدي البابا فرنسيس اليمينيين على تصويره بأنه «رفيق درب»، أو حتى «شيوعي».

وفي كتابه، اعترف البابا فرنسيس بأنه كان منجذباً إلى «الموضوعات الشيوعية»، إن لم تكن السياسات الفعلية. في الواقع، الكتاب السياسي الوحيد الذي استشهد به، كتاب «كلمتنا ومقترحاتنا» للكاتب الشيوعي الأرجنتيني ليونيداس بارليتا. وأقرَّ البابا فرنسيس في كتابه، بأن هذا الكتاب: «أسهم في تثقيفي السياسي». كما عدّ أن «الرأسمالية الليبرالية» غير أخلاقية، وأبدى بعض التعاطف مع «لاهوت التحرير» الخاص بقساوسة حرب العصابات في أميركا اللاتينية خلال الستينات، رغم تأكيده بأنه «لم يكن شيوعياً قط».

في الواقع، لقد وضع الشيوعية، إلى جانب الرأسمالية المتوحشة، والنازية، والليبرالية، في قائمة الآيديولوجيات الاستبدادية. ومع ذلك، فإنه عدّ العلمانية العدو الأول للإيمان. وشدَّد على أنه: «هناك إنكار لله بسبب العلمانية، أي الأنانية البشرية».

وعلى غرار بنديكت، شدَّد البابا فرنسيس على أن المهم جوهر المسيحية، والمصطلح الفني الذي يشير إليها «الكريغما»، أو الكرازة. وفوق ذلك، لدينا ما أسماها «التعاليم المسيحية»، التي، بالمعنى الذي استخدمه، تتعلق بالسلوك والتنظيم الاجتماعي.

المثير للاهتمام أنه نادراً ما ذكر كلمة «العقيدة» ـ الجسر الواصل بين الكرازة والتعاليم المسيحية. وبالتالي، فإن قضايا مثل الإجهاض، وزواج المثليين، والقربان المقدس للمطلقين، لا تؤثر على الكرازة. أما امتناع القساوسة عن الزواج، فقد أكد أنه «نظام، وليس مسألة عقيدة»، وبالتالي يمكن التخلي عنه في المستقبل.

وقبل وفاته بعام، نشر البابا فرنسيس كتيباً عن الأدب، أوصى فيه أتباعه بقراءة كل ما يمكن، حتى مؤلفات غير المؤمنين أو خصوم الإيمان. وبالتأكيد، كانت هذه خطوة جريئة من رجلٍ ورث المنصب الذي أنشأ «قائمة الكتب المحظورة»، التي ظلت سارية حتى عام 1966.

في الواقع، المشهد الفكري المهيمن على ذهن البابا فرنسيس خضع لهيمنة أفكار يمكن إيعازها إلى أثينا القديمة، أكثر من أورشليم، فقد بدا أكثر ارتياحاً في صحبة أرسطو، منه مع آباء الكنيسة، والوحيد الذي استشهد به من بينهم القديس أوغسطينوس، الذي تبنى أفكاراً شبه أرسطوية، متجاهلاً مواقف جيروم وترتليان المتباينة، وغيرهما.

وفيما يخص التساؤل: هل الكنيسة، أو أي تنظيم ديني رسمي، ضروري للخلاص؟، لم يكن بمقدور البابا فرنسيس سوى الإجابة بـ«نعم» مدوية. ومع ذلك، فقد أضعف تلك الـ«نعم» بتذكّره أنه، في شبابه، حلم بأن يصبح مبشراً في اليابان، حيث نجح المسيحيون في البقاء، بل وحتى الازدهار جزئياً، من دون كهنة ولا تنظيم، لأكثر من قرنين.

وكثيراً ما كرَّر البابا فرنسيس تأكيد أندريه مالرو بأن القرن الحادي والعشرين سيكون «دينياً، أو لن يكون على الإطلاق».

السؤال: ديني في أيّ صورة من صور الدين الكثيرة؟

هناك مَن يرون «الكريغما»، أي الكرازة، مجرّد بلاغة شعرية، ويركزون على التعاليم (أو ما يكافئ الشريعة في الإسلام) بوصفها أداةً للسيطرة والهيمنة الاجتماعية والسياسية. هناك مَن يُصرّون على أهمية «الكريغما»، فيسمحون لهذا التوجه المطاطي بأن يُسحب في الاتجاه المعاكس إلى أقصى قدر ممكن. المشكلة أنه في مرحلة ما، قد يتمزَّق المطاط.

وعليه، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم، هو: هل سيمضي البابا القادم في أجندة فرنسيس «التقدمية»، أم سيعود إلى طريق بنديكت «التقليدي»؟

هناك مثل إيطالي يقول: «موت بابا يصنع بابا آخر!»، وبما أن غالبية الكرادلة الـ135 المخولين بانتخاب البابا القادم قد عيّنهم فرنسيس، فقد يفترض البعض أنهم سيختارون مَن يواصل إرثه التقدمي.

ومع ذلك، فإنه إذا التزمنا نصيحة القديس ماثيو: «لا تفترضوا ولا تيأسوا»، فسندرك أنه لا يمكننا الجزم بأي شيء، فمزاج العالم تغيَّر منذ انتخاب البابا فرنسيس، ويبدو أن روح بنديكت تعود من جديد، في عالم خابت آماله في وعود التقدمية الزائفة. لذلك، لا تتفاجأوا إن وجد الكرادلة أنفسهم أمام خيار صعب بين الكرازة والتعاليم المسيحية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خيار الفاتيكان القادم الكرازة أم التعاليم خيار الفاتيكان القادم الكرازة أم التعاليم



GMT 07:45 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

ليلة القبض على العالم

GMT 07:42 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

اليمن وخيار صناعةِ الاستقرار

GMT 07:41 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

من «مونرو» إلى «دونرو»

GMT 07:39 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

قمة فلوريدا... لبنان حاضر كأزمة لا كدولة

GMT 07:37 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

هل نقاطع «السوشيال ميديا»؟

GMT 07:35 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

«ميرى كريسماس».. بأمر الحب!

GMT 07:34 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

قانون «الكاوبوى» الدولى

GMT 07:33 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بلطجة أمريكية!

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 01:32 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 02:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الخنبشي يثمن تلاحم القبائل بعد استعادة حضرموت
  مصر اليوم - الخنبشي يثمن تلاحم القبائل بعد استعادة حضرموت

GMT 15:05 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

هاني شاكر ينفي شائعة امتلاكه ثروة بمليار دولار
  مصر اليوم - هاني شاكر ينفي شائعة امتلاكه ثروة بمليار دولار

GMT 11:48 2025 الأحد ,26 كانون الثاني / يناير

نيللي كريم تمثل جسرًا بين الأجيال في الفن المصري

GMT 09:02 2020 الأحد ,18 تشرين الأول / أكتوبر

طارق شوقي يفجر مفاجأة صادمة للمعلمين المؤقتين

GMT 12:43 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

طريقة إعداد وتحضير لفائف اللحم بالفطر والزيتون

GMT 12:36 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

طريقة سهلة وبسيطة لإعداد طاجن المكرونة بالدجاج

GMT 20:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

النرويجي كارلسن يتوج باللقب العالمي في الشطرنج الخاطف

GMT 02:37 2019 الأحد ,20 كانون الثاني / يناير

قمة بيروت التنموية وحتمية الاستثمار في البشر

GMT 23:27 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير يخنة البامية مع النقانق المتبّلة

GMT 03:53 2018 الجمعة ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين المحمدي يعلن عن قرب انتهاء أزمته مع الزمالك

GMT 03:13 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

منى أحمد تؤكد أن برج الحوت لا يثق بأن هناك من يحبه

GMT 11:27 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

اختاري كريم الأساس حسب عمرك لإخفاء تجاعيد البشرة

GMT 08:22 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

امضي شهر عسل رومانسي ومميز في أفخم فنادق باريس

GMT 02:37 2018 السبت ,29 أيلول / سبتمبر

الفنانة سارة سلامة "نصابة" فى "عش الدبابير

GMT 10:18 2018 الإثنين ,10 أيلول / سبتمبر

اكتشاف كهف أرضي بين طريق مدينتي رأس سدر وأبوزنيمة

GMT 06:30 2018 الثلاثاء ,10 تموز / يوليو

كريستيانو رونالدو ينتقل إلى يوفنتوس خلال 48 ساعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt