توقيت القاهرة المحلي 21:31:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السعودية قبل مائتي عامٍ

  مصر اليوم -

السعودية قبل مائتي عامٍ

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

 

محاولات إعادة تفسير التاريخ تفشل حين تكون أهدافها شخصية أو مصلحية ضيقة. قبل قرنين من الزمان، وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1824، دخل تركي بن عبد الله مدينة الرياض، واستسلمت له الحامية التركية، وأعلن طرد المحتلين العثمانيين واستعادة الدولة السعودية التي سقطت قبل سنواتٍ معدودة حينذاك، وأعلن الرياض عاصمة للدولة الجديدة، وكان ذلك حدثاً تاريخياً استثنائياً في قصة تشبه الأساطير غير أنها موثقة ومؤرخة وليست محل نقاشٍ أو جدال.

بعد يومين من نشر هذه المقالة، يدخل شهر أكتوبر 2024، وهو ما يوافق بالتمام والكمال مرور مائتي عامٍ على دخول الإمام تركي بن عبد الله لمدينة الرياض وإعلانها عاصمة جديدة للدولة بعد تهدم الدرعية. ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا بقيت الرياض عاصمة للدولة السعودية.

مقالة الأسبوع الماضي كانت تحكي عن السعودية قبل مائة عامٍ (1924). وهذه عن السعودية قبل مائتي عامٍ (1824)، وتليها أخرى عن السعودية قبل ثلاثمائة عامٍ، ومنطق التاريخ يثبت أن استمرار الدول لقرونٍ متطاولة إنما هو نتيجة طبيعية لرغبات الشعوب وكفاءة القيادات وسلامة النهج.

سقطت الدرعية على يد إبراهيم باشا بعد ملحمة بطولية كبرى، وأسر العديد من أسرة آل سعود ونُقِلوا إلى مصر، غير أن تركي بن عبد الله لم يخضع، وتسلل من حصار الدرعية إلى نجد الفسيحة كأسدٍ جريحٍ، واشتد الأتراك في طلبه والبحث عنه ولم يظفروا به، والتجأ إلى غارٍ في هضبة علية، في واحد من أطول مواقع سلسلة جبال طويق، وفي زيارة لهذا الغار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 وقف عدد من الباحثين السعوديين، ومنهم كاتب هذه السطور على هذا الغار العجيب المنيع، الذي يجمع موقعه بين وعورة التضاريس وصعوبة الوصول إليه، وسهولة رصد أي قادمٍ يثير الريبة أو الشك. وفي هذا الغار بقي تركي بن عبد الله مؤسس الدولة السعودية الثانية سنواتٍ منفرداً وحيداً، ليس معه إلا عقله الذكي وقلبه الشجاع وسيفه «الأجرب»، يعيد قراءة أحداث التاريخ القريب ويقيّم الأخطاء ويخطط ويستعد لإعادة الكرة، مرة بعد مرة.

خرج تركي بن عبد الله من الغار، وجمع ثلة قليلة من الأنصار، وبدأ مشروعه في استعادة الدولة، في سلسلة من المواقف والقصص الملحمية التي تتجمع مع بعضها لتبني هرم النجاح الكبير، مثل قصة «سابوط» في عرقة، وقصة «العشاء الدموي» في ضرما، وقصص لا تُحصى أبانت عن شجاعة نادرة وقوة قلبٍ لا تعرف الخوف، وشخصيته الفذة ذات «الكاريزما» اللافتة هي ما جمعت حوله أفذاذ الرجال الذين شاركوه الحلم والطموح.

أعاد تركي توحيد البلاد تحت رايته وطرد المحتلين، وجمع شمل المدن والقرى المتناحرة والقبائل المتحاربة، ورسّخ الشرعية السياسية والسيادة الوطنية وفرض الأمن الشامل وشرع في مشاريع لتوحيد الأنظمة والمرجعية القانونية، والتفت لخطط البناء والتنمية، ومشاريع الاستقرار والأمن.

لكأنَّ المؤرخ الفرنسي المعروف فيلكس مانجان الذي كانَ بمصر إبان سقوط الدرعية نظر من سجف الغيب، حين تنبَّأ بعودة الدولة السعودية بعد سقوطها، وما ذاك إلا لأنَّه مؤرخ يعرف منطق التاريخ وطبيعة البشر، فقال: «واليوم استولى الترك على بلاد نجد، فأعادوها إلى ما يشبه حالتها الأولى من الفوضى، ولكن بذور العقيدة التي أُودِعت بعمق في تلك الأرض الطيبة كالنفس الطيبة سوف تنبت من جديد، والأغصان التي عرَّاها الترك من أوراقها سوف تورق وتنوّر وتزهر، فتعود تلك الصحراء بستاناً، وتعود دولة الإيمان التي ظن محمد علي أنه قضى عليها». وهكذا كان؛ فبعد سنواتٍ خرج تركي بن عبد الله، وقامت على يده الدولة السعودية الثانية.

قبل سنواتٍ ثلاثٍ كتب ثلاثة باحثين، هم: د. راشد العساكر، ومشاري الذايدي، وكاتب هذه السطور، فكرة لصناعة احتفالية كبرى بالمئوية الثانية لتأسيس الدولة السعودية الثانية، أسوة بما صنعه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، في الاحتفال بالمئوية الأولى لدخول المؤسس الملك عبد العزيز، الرياض، وكانت الاحتفالات في عام 1999.

وجاء في تفاصيل فكرة الاحتفاء بالمئوية الثانية ما نصه: «تقترح هذه الفكرة إطلاق نشاط علمي وفني وتعليمي وإعلامي وسياسي وترفيهي ووطني عام لمواكبة الحدث، وأهمية ترسيخ الوطنية عبر الاحتفاء والتذكير بالمنجزات الكبرى، وهو ما يمثل استراتيجية ثابتة لدى الدول الكبرى في العالم».

أخيراً، فقد بنى الإمام تركي مشروعه وحيداً، في عقله وقلبه وطموحه، ثم حشد الأنصار وطبّق حلمه على أرض الواقع، وليس لأحدٍ عليه منة ولا فضلٌ، ومحاولات إعادة تفسير التاريخ تفشل حين تكون أهدافها شخصية أو مصلحية ضيقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية قبل مائتي عامٍ السعودية قبل مائتي عامٍ



GMT 06:02 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

الثكنة الأخيرة

GMT 05:58 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

سوريا... هذه الحقائق

GMT 05:54 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

في أنّنا بحاجة إلى أساطير مؤسِّسة جديدة لبلدان المشرق

GMT 05:50 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

مخبول ألمانيا وتحذيرات السعودية

GMT 05:47 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

التاريخ والفكر: سوريا بين تزويرين

GMT 05:43 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

إنجاز سوريا... بين الضروري والكافي

GMT 05:39 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

ليبيا: لعبة تدوير الأوهام

GMT 05:35 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

عالية ممدوح

GMT 12:35 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

أفضل 10 وجهات سياحية شبابية الأكثر زيارة في 2024
  مصر اليوم - أفضل 10 وجهات سياحية شبابية الأكثر زيارة في 2024

GMT 17:17 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

الشرع يبحث مع فيدان في دمشق مخاوف أنقرة من الإرهاب
  مصر اليوم - الشرع يبحث مع فيدان في دمشق مخاوف أنقرة من الإرهاب

GMT 12:26 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

نصائح لاختيار قطع الأثاث للغرف متعددة الوظائف
  مصر اليوم - نصائح لاختيار قطع الأثاث للغرف متعددة الوظائف

GMT 00:04 2024 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

«صاحبك راجل» يعيد درة للسينما بعد غياب 13 عامًا
  مصر اليوم - «صاحبك راجل» يعيد درة للسينما بعد غياب 13 عامًا

GMT 10:46 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 18 ديسمبر / كانون الأول 2024

GMT 09:03 2024 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

مدينة العلا السعودية كنزاً أثرياً وطبيعياً يجذب السائحين

GMT 10:20 2024 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات لا تُنسى لنادين نجيم في عام 2024

GMT 19:37 2024 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

مروة صبري توجّه رسالة لشيرين عبد الوهاب بعد ابتزاز ابنتها

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 04:51 2024 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

السجن 50 عاما لامرأة أجبرت 3 أطفال على العيش مع جثة في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon